قصيدة
بيت من الشعر / بيت الجنوبي
محمود درويش · قافيتها غير موسومة · 39 بيتاً
- [في ذكرى أمل دنقل]واقفاً مَعَهُ تحت نافذةٍ،
- أتأمَّلُ وَشْمَ الظلال علىضفَّة الأَبديَّةِ، قُلتُ له:
- قد تغيَّرتَ يا صاحبي .... وَانْفَطَرْتَفها هِيَ درّاجةُ الموت تدنو
- ولكنها لا تحرِّكُ صرختك الخاطفةْقال لي: عِشْتُ قرب حياتي
- كما هِيَ،لا شيءَ يُثْبِتُ أَنِّيَ حيٌّ
- ولا شيءَ يثبتُ أَنيَ مَيْتٌولم أَتدخّل بما تفعلُ الطيرُ بي
- وبما يحمِلُ الليل مِنْمَرَضِ العاطفةْ
- أَلغيابُ يرفّ كزوجَيْ حمامٍ على النيل...يُنْبِئُنا باختلاف الخُطَى حول فعل المُضارعِ....
- كُنّا معاً، وعلى حِدَةٍ، نَسْتَحِثُّ غداًغامضاً. لا نريدُ من الشيء إلاّ
- شفافيَّةَ الشيء: حدِّقْ تَرَ الوردَأسوَد في الضوء. واُحلُمْ تَرَ الضوءَ
- في العتمة الوارفةْ...ألجنوبيُّ يحفظ درب الصعاليك عن
- ظهر قلبٍ . ويُشْهُهُم في سليقتهموارتجالِ المدى. لا ((هناك)) له،
- لا ((هنا)), لا عناوينَ للفوضويّولا مِشْجَبٌ للكلام. يقول: النظامُ
- اُحتكامُ الصدى للصدى. وأَنا صوتُنفسي المشاع: أَنا هُوَ أنتَ ونحنُ أَنا.
- وينامُ على دَرَج الفجر: هذا هوالبيتُ، بيتٌ من الشعر، بيتُ الجنوبيِّ.
- لكنَّهُ صارمٌ في نظام قصيدته . صانعٌبارعٌ يُنِقذُ الوَزْنَ من صَخَب العاصفةْ
- ألغيابُ على حاله . قَمَرٌ عابرٌ فوقخُوفُو يُذهِّبُ سَقْفَ النخيل. وسائحةٌ
- تملأ الكاميرا بالغياب، وتسأل: ماالساعةُ الآن؟ قال لها: الساعةُ
- الآن عَشْرُ دقائقَ ما بعد سبعةِآلاف عامٍ من الأبجديَّة. ثم تنهّد:
- مِصْرُ الشهيّةُ، مِصْرُ البهيَّةُ مشغولةٌبالخلود. وأَمَّا أَنا...فمريضٌ بها، لا
- أفكِّرُ إلا ّبصحّتها، وبِكسْرَة خبزِغدي الناشفةْ
- شاعرٌ’ شاعرٌ من سُلاَلَة أَهلالخسارة, واُبنٌ وفيٌ لريف المساكينِ.
- قرآنُهُ عربيٌّ، ومزمورُهُ عربيٌّ، وقُرْبَانُهُعربيٌّ. وفي قلبه زَمَنانِ غريبان،
- يبتعدان ويقتربان: غدٌ لا يكفُّعن الاعتذارِ: ((نَسِيتُكَ، لا تنتظرني))
- وأَمس يجرُّ مراكبَ فرعونَ نحو الشمال:((انتظرتُكَ , لكنْ تأخرتَ)). قُلْتُ لَهُ:
- أَين كُنْتَ إذاً؟ قال لي: كُنْتُأَبحث عن حاضري في جَنَاحَيْ سُنُونُوّةٍ
- خائفةْ...أَلجنوبيُّ يحملُ تاريخَهُ بيَدَيْهِ، كحفنة قمحٍ،
- ويمشي على نفسه واثقاً من يسوعالسنابل. إنَّ الحياةَ بديهيَّةٌ... فلماذا
- نفسِّرها بالأساطير؟ إنَّ الحياة حقيقيّةٌوالصفاتِ هِيَ الزائفةْ
- قال لي في الطريق إلى ليله:كُلَّما قُلْتُ: كلاّ. تجلّى لِيَ اللهُ
- حريَّةٌ... وبلغتُ الرضا الباطنيَّ عنالنفس. قلتُ: وهل يُصْلِحُ الشعرُ
- ما أفسد الدهرُ فينا وجنكيزخانوأحفادُهُ العائدون إلى النهرِ؟
- قال: على قَدْر حُلْمكَ تَتَسع الأرضُ.والأرضُ أمّ المخيّلة النازفةْ
- قال في آخر الليل: خذني إلى البيتِ،بيتِ المجاز الأخيرِ...
- فإني غريبٌ هنا يا غريبُ،ولا شيءَ يُفْرحُني قرب بيتِ الحبيب
- ولا شيءَ يجرحني في ((طريق الحبيب)) البعيدةِقلت: وماذا عن الروحِ؟
- قال: سَتَجْلسُ قُرْبَ حياتيفلا شيءَ يُثْبِتُ أنِّيَ ميتٌ
- ولا شي يثبتُ أنِّيَ حيٌّستحيا, كما هِيَ
- حائرة آسفةْ...
المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.