قصيدة
لا كما يفعل السائح الأجنبي
محمود درويش · قافيتها غير موسومة · 33 بيتاً
- مَشَيْتُ على ما تَبقَّى من القلبِ،صَوْبَ الشمال...
- ثلاثُ كنائسَ مهجورةٌ،اسنديانٌ على الجانبَيْنِ,
- قُرىً كنقاطٍ على أَحْرُفٍ مُحِيَتْ،وفتاةٌ على العشب تقرأ ما
- يُشْبهُ الشِّعَرَ: لو كُنْتُ أَكبرَ,لو كُنْتُ أَكبرَ’ لاسْتَسْلَمَ الذئبُ لي!
- ... لم أَكُنْ عاطفياً، ولا ((دون جوان))فلم أَتمدَّد على العشب، لكنني
- قُلتُ في السرِّ: لو كنتُ أَصغرَلو كنتُ أَصغرَ عشرين عاماً
- لَشاركْتُها الماءَ والسندويشات،وعلَّمتُها كيف تَلْمِسُ قوس قُزَحْ
- مَشَيْتُ، كما يفعل السائح الأَجنبيُّ...معي كاميرا، ودليلي كتابٌ صغيرٌ
- يضمُّ قصائدَ في وَصْفِ هذا المكانِلأكثرَ من شاعرٍ أَجنبيٍّ،
- أُحسُّ بأني أنا المتكلِّم فيهاولولا الفوارقُ بين القوافي لقُلْتُ:
- أَنا آخري...كنت أَتبعُ وصف المكان. هنا
- شَجَرٌ زائدٌ، وهنا قمرٌ ناقِصٌوكما في القصائد: ينبتُ عشبٌ
- على حَجَرٍ يتوجّعُ. لا هُوَ حُلْمٌولا هُوَ رمزٌ يدلُّ على طائرٍ وطنيٍّ،
- ولكنه غيمةٌ أينعَتْ....خطوة, خطوتان، ثلاثٌ... وَجَدْتُ الربيعَ
- قصيراً على المِشْمِشيَّات. ما كِدْتُ أَرنوإلى زَهْرة اللوز حتى تناثَرْتُ مابينَ
- غمَّازَتَيْنِ. مَشَيْتُ لأتبعَ ما تَرَكَتْه الطيورُالصغيرةُ من نَمَشٍ في القصائد/
- ثُمَّ تساءلْت : كيف يصير المكانُاُنعكاساً لصورتِهِ في الأساطيرِ،
- أَو صِفَةً من صفات الكلامِ؟وهل صورةُ الشيء أَقوى
- من الشيءِ؟لولا مخيَّلتي قال لي آخري:
- أنتَ لَسْتَ هنا!لم أكن واقعيّاً. ولكنني لا
- أُصدِّقُ تاريخَ ((إلياذة)) العسكريَّ،هُوَ الشِّعْرُ’ أسطورةٌ خَلَقَتْ واقعاً...
- وتساءَلْتُ: لو كانتِ الكاميرا والصحافةُشاهدةً فوق أسوار طروادةَ الآسيوية،
- هل كان ((هوميرُ)) يكتبُ غيرَ الأوديسةِ؟/... أُمْسِكُ هذا الهواء الشهيَّ،
- هواءَ الجليل، بكلتا يديَّوأمْضَغُهُ مثلما يمضَغُ الماعزُ الجبليُّ
- أَعالي الشُّجَيْرات،أَمشي، أُعرِّف نفسي إلى نفسها:
- أنتِ’ يا نفسُ، إحدى صفات المكانثلاثُ كنائسَ مهجورةٌ
- مآذن مكسورةٌ،سنديانٌ على الجانبينِ،
- قرىً كنقاط على أَحْرُفٍ مُحِيَتْ،وفتاةٌ على العشب تسأل طيفا:
- لماذا كبرتَ ولم تنتظرنييقول لها: لم أَكنْ حاضراً
- عندما ضاق ثوبُ الحرير بتُفَّاحَتَيْنِ.فغنِّي، كما كنتِ قبل قليل’ تُغَنِّين:
- لو كُنْتُ أكبرَ, لو كنتُ أكبرَ..../أَمَّا أَنا، فسأدخُلُ في شجر التوتِ
- حيث تُحوِّلُني دُودَةُ القزِّ خَيْطَ حريرٍ،فأدخلُ في إبرة اُمراةٍ من
- نساء الأساطير،ثم أطير كشالٍ مع الريح...
المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.