قصيدة
منفى (4)/ طباق
محمود درويش · قافيتها غير موسومة · 120 بيتاً
- [إلى إدوارد سعيد]نيويورك / نوفمبر / الشارعُ الخامسُ /
- الشمسُ صَحْنٌ من المعدن المتطاير /قُلْتُ لنفسي الغريبة في الظل:
- هل هذه بابل أم سدوم؟هناك، على باب هاوية كهربائيَّةٍ
- بعُلوِّ السماء، التقيتُ بإدواردقبل ثلاثين عاماً،
- وكان الزمان أَقَلَّ جموحاً من الآنقال كلانا:
- إذا كان ماضيك تجربةًفاجعلِ الغَدَ معنى ورؤيا!
- لنذهبْ،لنذهبْ إلى غدنا واثقين
- بصدق الخيال، ومعجزة العشبِ/لا أَتذكَّر أنَّا ذهبنا إلى السينما
- في المساء. ولكنْ سمعْتُ هنوداًقدامى ينادونني:
- لا تَثِقْ بالحصان، ولا بالحداثِة /لا, لا ضحيَّةَ تسأل جلاّدها:
- هل أَنا أَنت؟ لو كان سيفيَأكبرَ من وردتي, هل ستسأل
- إن كُنْتُ أَفعل مثلَكْ ؟سؤالٌ كهذا يثير فُضُولَ الروائيِّ
- في مكتبٍ من زجاج يُطلُّ علىزنبق في الحديقة... حيث تكونُ
- يَدُ الفرصيّة بيضاءَ مثل ضميرالروائيّ, حين يُصَفِّي الحساب
- مع النزعة البشرية: لا غَدَفي الأمس، فلنتقدَّمْ إذاً! /
- قد يكون التقدُّمُ جسرَ الرجوعإلى البربريَّة.../
- نيويورك. إدوارد يصحو على كسلالفجر. يعزف لحناً لموتسارت. يركض
- في ملعب التنس الجامعيّ. يفكّر فيهجرة الطير عبر الحدود وفوق الحواجز.
- يقرأ ((نيويورك تايمز)) يكتب تعليقَهُالمتوتّر. يلعن مستشرقاً يرشد الجنرال
- إلى نقطة الضعف في قلب شرقيّة.يستحمُّ. ويختار بدلَتهُ بأناقة دِيكٍ.
- ويشرب قهوته بالحليب. ويصرخبالفجر: هيّا، ولا تتلكَّأ /
- على الريح يمشى. وفي الريحيعرف مَنْ هُوَ. لا سقف للريح.
- لا بيت للريح. والريح بُوصلةٌلشمال الغريب.
- يقول: أَنا من هناك. أَنا من هناولستُ هناك، ولستُ هنا
- لِيِ اسمانِ يلتقيان ويفترقانولي لُغتان, نسيت بأيَّهما
- كنتُ أَحلُمُ،لي لُغَةٌ إنجليزيَّةٌ للكتابة،
- طيِّعةُ المفردات,ولي لغةٌ من حوار السماء مع
- القدس، فضيَّةُ النَّبْرِ، لكنهالا تُطيعُ مخيّلتي!
- والهويَّةُ؟ قلتُفقال: دفاعٌ عن الذات...
- إنَّ الهويةَ بنتُ الولادة, لكنهافي النهاية إبداعُ صاحبها, لا
- وراثة ماضٍ. أَنا المتعدِّد. فيداخلي خارجي المتجدِّدُ... لكنني
- أَنتمي لسؤال الضحيَّة. لو لمأكن من هناك لدرَّبْتُ قلبي
- على أن يُربِّي هناك غزال الِكنايَةِ.فاحملْ بلادك أَنَّى ذَهَبْتَ...
- وكُنْ نرجسيّاً إذا لزم الأَمرُ /- منفىً هو العالم الخارجيُّ
- ومنفىً هو العالم الداخليُّمن أَنت بينهما؟
- - لا أُعرِّفُ نفسي تماماًلئلاّ أُضيِّعها. و أَنا ما أَنا
- وأنا آخري في ثُنَائيّةٍتتناغم بين الكلام وبين الإشارةْ.
- ولو كنت أكتب شعراً لقلت:أنا اثنان في واحد
- كجناحَيْ سُنُونُوّةٍ ,إن تأخَّر فَصْلُ الربيع
- اكتفيتُ بحمل البشارةْيحبُّ بلاداً, ويرحل عنها
- [هل المستحيل بعيد؟]يحبُّ الرحيل إلى أيِّ شيء
- ففي السفر الحر بين الثقافاتقد يجد الباحثون عن الجوهر البشريّ
- مقاعدَ كافيةً للجميع.هنا هامش يتقدَّم. أو مركز يتراجع
- لا الشرقُ شرقٌ تماماًولا الغربُ غربٌ تماماً
- لأن الهويَّةَ مفتوحةٌ للتعدُّدلا قلعةً أو خنادقَ/
- كان المجازُ ينام على ضفّة النهر،لولا التَلَوُّثُ،
- لا حْتَضَنَ الضفَّةَ الثانيةْ-هل كتبتَ الروايةَ؟
- - حاولتُ... حاولت أن أستعيد بهاصورتي في مرايا النساء البعيدات،
- لكنهن توغَّلْنَ في ليلهنَّ الحصينوقلن : لنا عالم مستقلٌّ عن النصّ
- لن يكتب الرجلُ المرأةَ اللغزَ والحُلْمَلن تكتب المرأةَ الرجل الرمز والنجمَ
- لا حُبَّ يشبه حباًولا ليل يشبه ليلاً
- دعونا نُعدِّدْ صفات الرجال ونضحكْ!- وماذا فعلتَ؟
- - ضحكت على عبثيورميتُ الروايةَ في سلة المهملات!
- / المُفَكَّرُ يكبَحُ سَرْدَ الروائيّوالفيلسوف يُشَرِّحُ وَرْدَ المُغَنّي /
- يحبُّ بلاداً ويرحل عنها:أنا ما أكون وما سأكون
- سأصنع نفسي بنفسيوأختار منفايَ
- منفايَ خلفيّةُ المشهد الملحميّأُدافع عن حاجة الشعراء
- إلى الغد والذكريات معاًوأدافع عن شَجَرٍ ترتديه الطيورُ
- بلاداً ومنفىوعن قمر لم يزل صالحاً لقصيدة حُبّ
- أُدافع عن فكرة كسرتها هشاشةُ أصحابهاوأدافع عن بلد خَطَفَتْهُ الأساطيرُ /
- - هل تسطيع الرجوعَ إلى أي شيء؟- أمامي يجرُّ ورائي ويُسرع...
- لا وقت في ساعتي لأخُطَّ سطوراًعلى الرمل. لكنني أستطيع زيارة أمس،
- إذا استمعوا في المساءإلى الشاعر الرَّعَوِيِّ:
- [فتاةٌ على النبع تملأ جَرَّتهابحليب السحابْ
- وتبكي وتضحك من نَحْلَةٍلسعت قلبها في مهبِّ الغيابْ
- هل الحُبُّ ما يوجع الماءَأَم مَرَضٌ في الضبابْ..؟
- إلى آخر الأُغنية]- إذن، قد يصيبك داءُ الحنين؟
- حنينٌ إلى الغد ... أبعد أَعلىوأَبعد. حُلْمي يقود خُطاي. ورؤيايَ
- تُجلْسُ حُلْمي على ركبتيّ كقطِّ أَليف.هو الواقعيُّ الخياليُّ وابن الإدارة:
- في وسعناأَن نُغيِّر
- حتميَّة الهاويةْ!- والحنينُ إلى أمس؟
- - عاطفةٌ لا تَخُصُّ المفكِّر إلاَّليفهم تَوْقَ الغريب إلى أدوات الغياب
- وأَمَّا أنا، فحنيني صراعٌ على حاضرٍيُمْسِكُ الغَدَ من خِصْيَتيه
- - ألم تتسلّلْ إلى أمس, حين ذهبتَإلى البيت بيتك، في حارة الطالبيّة؟
- - هَيَّأتُ نفسي لأن أَتمدَّد فيتخت أُمي، كما يفعل الطفل حين يخاف
- أَباه. وحاولت أن أستعيد ولادةنفسي, وأَن أَتتبَّع درب الحليب
- على سطح بيتي القديم، وحاولتُ أنأتحسِّس جلدَ الغياب ورائحةَ الصيف
- من ياسمين الحديقة. لكن وحش الحقيقةأَبعدني عن حنين تلفَّتَ كاللص خلفي
- -وهل خفت؟ ماذا أخافك؟- لا أستطيع لقاء الخسارة وجهاً
- لوجه. وقفت على الباب كالمتسوّل.هل أطلب الإذن من غرباء ينامون فوق
- سريري أنا... بزيارة نفسي لخمس دقائق؟هل أَنحني باحترام لُسكان حلمي الطفوليِّ؟
- هل يسألون : مَنِ الزائرُ الأجنبيُّالفضوليُّ؟ هل أستطيع الكلام عن
- السلم والحرب بين الضحايا وبين ضحاياالضحايا، بلا جملة اعتراضيّةٍ؟ هل
- يقولون لي: لا مكان لحلمين فيمَخْدَع واحدٍ؟
- [لا أَنا، أَو هُوَولكنه قارئ يتساءل عمَّا
- يقول لنا الشعرُ في زمن الكارثةْ]دمٌ,
- ودمٌ،ودمٌ
- في بلادك،في اسمي وفي اسمك، في زهرة
- اللوز، في قشرة الموز, في لبنالطفل، في الضوء والظلّ, في
- حبة القمح، في عُلبة الملح /قَنَّاصَةٌ بارعون يصيبون أَهدافهم
- باميتازدماً,
- ودماً,ودماً...
- هذه الأرض أَصغرُ من دم أبنائهاالواقفين على عتبات القيامة مثل
- القرابين. هل هذه الأرض حقاًمباركةٌ أَم مُعَمَّدَّةٌ
- بدمٍ،ودمٍ،
- ودمٍلا تُجفِّفُه الصلوات ولا الرمل.
- لا عَدْلَ في صفحات الكتاب المُقَدَّسيكفي لكي يفرح الشهداءُ بحريّة
- المشي فوق الغمام. دم في النهار.دم في الظلام. دم في الكلام.
- يقول: القصيدةُ قد تستضيفُ الخسارةخيطاً من الضوء يلمع في قلب جيتارة.
- أو مسيحاً على فرس مثخناً بالمجازالجميل. فليس الجماليّ إلاّ حضورَ
- الحقيقيِّ في الشكل /في عالم لا سماء له, تصبح الأرضُ
- هاويةً. والقصيدة إحدى هبات العزاءوإحدى صفات الرياح، شماليةً أو جنوبيةً.
- لا تَصِفْ ما ترى الكاميرا من جروحك.واصرخ لتسمع نفسك، واصرخ لتعلم
- أنك ما زلتَ حيّاً وحيّاً، وأن الحياةعلى هذه الأرض ممكنةٌ. فاخترع أملاً
- للكلام، ابتكرْ جهةً أو سراباًيطيل الرجاء،
- وغنِّ، فإنَّ الجماليَّ حريَّةٌ /أقول: الحياة التي لا تعرّف إلا
- بضدَّ الموت... ليست حياةيقول: سنحيا، ولو تركتنا الحياةُ
- إلى شأننا. فلنكن سادة الكلماتالتي سوف تجعل قُرَّاءها خالدين-
- على حدّ تعبير صاحبك الفذِّ ريتسوس /وقال: إذا متُّ قبلك
- أُوصيكَ بالمستحيلْ!سألت: هل المستحيل بعيد؟
- فقال: على بعد جيلْسألت: وإن متّ قبلك؟
- قال: أُعزِّي جبال الجليلْواكتب: ((ليس الجماليُّ إلاّ بلوغَ
- الملائم)). والآن، لا تنس:إن متُّ قبلك أوصيك بالمستحيلْ
- عندما زرتُهُ في سَدُومَ الجديدةِ،في عام ألفين واثنين، كان
- يقاوم حَرْبَ سَدُومَ على أهل بابلوالسرطان معاً،
- كان كالبطل الملحميِّ الأخيريدافع عن حَقّ طروادةٍ
- في اقتسام الرواية /نسرٌ يودِّع قمَّتَهُ عالياً
- عالياً،فالإقامة فوق الأولمب
- وفوق القِمَمْقد تثير السَّأمْ
- وداعاً،وداعاً لشعر الألم!
طول القصيدة
- 1
- 2
- 4
- 6
- 9
- 14
- 19
- 29
- 49
- 79
- 516
120 بيتاً. شريحتها 1% من المتن، ودونها 99%.
المقام: 54,927 قصيدة، والتغطية 100%. الرقم تحت كل عمود أعلى شريحته، وعدد الأبيات الموسوم يطابق عدّ الأبيات المخزّنة في كل قصيدة.
المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.