قصيدة
كوشم يد في معلقة الشاعر الجاهلي
محمود درويش · قافيتها غير موسومة · 149 بيتاً
- أَنا هُوَ ، يمشي أَمامي وأَتبعُهُلا أَقول له: ههنا ، ههنا
- كان شيء بسيط لنا:حَجَرٌ, أَخضَرٌ، شَجَرٌ. شارعٌ
- قَمَرٌ يافعٌ. واقعٌ لم يعد واقعاً.هو يمشي أمامي
- وأمشي على ظلِّه تابعاً ..كلما أسرع ارتفَعَ الظلُّ فوق التلال
- وغطَّى صنَوْبرةً في الجنوبوصفصافةً في الشمال،
- ألم نفترق؟ قلتُ، قال: بلى.لك مني رجوعُ الخيال إلى الواقعيّ
- ولي منك تُفَّاحة الجاذبيَّهِقلت: إلى أَين تأخذني؟
- قال: صوب البداية، حيث ولِدْتَهنا، أنت واُسمك /
- لو كان لي أَن أُعيد البداية لاخترتُلاسمي حروفاً أَقلَّ
- حروفاً أخفَّ على أُذُن الأجنبيّة/آذار شهر العواصف والشبق العاطفيّ.
- يطلُّ الربيع كخاطرةٍ في مسامرة اثنينبين شتاء طويل وصيف طويل. ولا
- أتذكِّر إلاّ المجاز، فما كدتُ أُولَدُحتى انتبهتُ إلى شَبَهٍ واضح بين
- عُرْفِ الحصان وبين ضفائر أُمّي- دع الاستعارة، واُمشِ الهوينى
- على زغب الأرض- قال، فإن الغروبيعيد الغريب إلى بئره، مثل أُغنية
- لا تُغَنَّى، وإن الغروب يُهيِّجُ فيناحنيناً إلى شغف غامض
- - ربما .... ربما. كل شيء يُؤوِّلُ عندالغروب . وقد توقظ الذكريات نداء
- شبيهاً بإيماءة الموت عند الغروب،وإيقاع أُغنية لا تغنّى إلى أَحد
- ( على شجر السروشرق العواطف،
- غيمٌ مُذَهَّبْوفي القلب سمراء كالكستناء
- وشفافة الظل كالماء تُشْرَبْتعال لنلعب
- تعالي لنذهبإلى أيّ كوكبْ)
- أَنا هو، يمشي عليِّ، وأَسأله:هل تذكرتَ شيئاً هنا؟
- خَفِّف الوطءَ عند التذكُّر،فالأرض حبلى بنا.
- قال: إني رأيتُ هنا قمراً ساطعاًناصع الحزن كالبرتقالة في الليل،
- يرشدنا في البراري إلى طرق التيه...لولاه، لم تلتقِ الأمهاتُ بأطفالهنَّ
- ولولاه، لم يقرأ السائرون علىالليل أسماءهم فجأة : " لاجئين"
- ضيوفاً على الريح/كان جناحي صغيراً على الريح عامئذٍ...
- كُنْتُ أحسب إنَّ المكان يُعَرَّفُبالأُمَّهات ورائحة المريميَّة. لا أَحَدٌ
- قال لي إن هذا المكان يُسَمَّى بلاداًوإن وراء البلاد حدوداً وأن وراء
- الحدود مكاناً يُسمَّى شتاتاً ومنفىلنا , لم أَكن بَعْدُ في حاجةٍ للهويّة
- لكنهم... هؤلاء الذين يجيئوننا فوقدبابة ينقلون المكان على الشاحنات
- إلى جهة خاطفةْالمكان هو العاطفةْ
- - تلك آثارنا، مثل وَشْمِ يدٍ فيمعلقة الشاعر الجاهليّ، تمر بنا
- ونمرُّ بها- قال من كنتُهُ يوم لمأعرف المفرداتِ لأعرف أسماء أشجارنا...
- وأُسمِّي الطيورَ التي تتجمَّع فيَّ بأسمائهالم أكن أحفظ الكلمات لأحمي المكان
- من الانتقال إلى اسم غريب يَُسيِّجهالأكاليبتوس. واللافتات تقول لنا:
- لم تكونوا هنا.تهدأ العاصفة
- والمكان هو العاطفة- تلك آثارنا- قال من كنته..
- ههنا يلتقي زمنان ويفترقان، فمنأنت حضرة " الآن"؟
- قلتُ: أنا أنت لولا دخان المصانعِقال: ومن أنت في حضرة الأمس؟
- قلتُ: أنا نحن لولا تطفُّلُ فَعْلِالمضارعِ
- قال: ومن أنت في حضرة الغد؟قلتُ: قصيدة حب ستكتبها حين
- تختار، أنت بنفسك أسطورة الحبِّ/( حنطيَّةٌ كأغاني الحصاد القديمة
- سمراءُ من لسعة الليلبيضاءُ من فرط ما ضحك الماءُ
- حين اقتربتِ من النبع...عيناك لوزيّتان
- وجرحان من عَسَلٍ شفتاكوساقاك يرجان من مرمر
- ويداك عل كتفي طائرانولي منك روح ترفرف
- حول المكان )- دع الاستعارة، وامشِ معي. هل
- ترى أثراً للفراشة في الضوء؟قُلْتُ: أراك هناك أراك تمرُّ
- كخاطرةٍ من خواطر أسلافناقال لي: هكذا تستعيد الفراشةُ
- أشغالها الشاعريَّةَ: أُغنيةً لايُدَوِّنُها الفلكيون إلاّ دليلاً على
- صحة الأبديَّة/أَمشي الهوينى على نفسي ويتبعني
- ظلِّي وأَتبعه، لا شيء يرجعنيلا شيء يرجعُهُ
- كأنني واحدٌ مني يودِّعنيمستعجلاً غَدَهُ: لا تنتظر أحداً
- لا تنتظرني، ولكن لا أُودِّعُهُكأنَّهُ الشعرُ: فوق التل تخدعني
- سحابةٌ غزلت حولي هُويتهاوأَورثتني مداراً لا أضيِّعُهُ
- للمكان روائحه،للغروب تباريحه،
- للغزالة صيّادها،للسلاحف درع الدفاع عن النفس،
- للنمل مملكةٌ،للطيور مواعيدُ،
- للخيل أسماؤها،للسنابل عيدٌ،
- وأمَّا النشيد، نشيد الختام السعيدفليس له شاعرٌ/
- في الهزيع الأخير من العمر نُصْغيإلى أيّ صوت بدون اكتراث،
- ويوقظنا وَجَعٌ في المفاصل من نومنا،أو بَعُوضٌ يطن كأستاذ فلسفةٍ...
- في الهزيع الأخير، نُحسُّ بآلامساقين مقطوعتين، كأن الشعور
- تأخر. لم ننتبه حين كنا صغاراًإلى جرحنا الداخليِّ، فقد كان
- كالرسم بالزيت ناراً تؤجِّجُ أَلوانأعلامنا، وتهيِّج ثور أناشيدنا.
- في الهزيع الأخير من العمر لايبزغ الفجر إلاَّ لأنَّ ملائكةً طيّبين
- يُؤَدُّون واجبهم صاغرين...أنا هو، حوذيُّ نفسي
- ولا خيل تصهل في لغتيقال: نمشي ولو في الهزيع الأخير
- من العمر، نمشي ولو خذلتنا الدروبنطير، كما يفعل المتصوف، في الكلمات..
- نطير إلى أيِّ أَين!على تلَّة بارتفاع يدين سماويتين صعدنا.
- مشينا على إبر الشوك والسنديان،التحفنا بصوف النبات اليتيم، أتحدنا
- بمعجم أسماءنا. هل تحس بوخز الحصىوبمكر القطا؟ قال لي: لا أُحسّ
- بشيء، كأن الشعور رفاهيَّةٌ. وكأنِّيهنا صفة من صفات الغياب الكثيرة.
- ليست حياتي معي... تركتني كما تتركالمرأةُ الرجل- الشَّبَحَ، انتظرتني
- وملِّت من الانتظار، ودلَّت سوايعلى كنزها الأنثويِّ/
- إذا كان لا بُدَّ من قمرٍفليكن كاملاً كاملاً
- لا كقرنٍ من الموز/قلت: ستحتاج وقتاً لتعرف نفسك،
- فاجلسْ على برزخ بين بين،فلا كيف كيف، ولا أَين أَين
- على صخرتين سماويتين انتظرنا غروبالغزالة... عند الغروب يحسّ الغريب
- بحاجته لعناق الغريب، وعند الغروبيحسّ الغريبان أن هنالك، بينهما،
- ثالثاً يتدخل في ما يقولان أو لايقولان...
- قولا وداعاً لما كانقولا وداعاً لما سيكون
- وداعاً لقافية النونفي اسم المُثَنىّ
- وفي بلد الأرجوان!أقول له: مَنْ هو؟
- يقول صدى من بعيد: هو الواقعيُّهنا. صوت أَقدارنا هُوَ. سائقُ
- جرّافةٍ عدَّلتْ عفوية هذا المكان،وقصت جدائل زيتوننا لتناسب قصِّة
- شعر الجنود، وتفتح شعْباً لبغلنبي قديم. هو الواقعيُّ ، مُروِّضُ
- أُسطورة. ثالث الجاِلسَيْن على صخرتينسماويتين، ولكنه لا يرانا كما نحن:
- شيخاً تأبط طفلاً، وطفلاً توَّرطفي حكمة الشيخ/
- قلنا: سلام على الإنْسِ والجنّمن حولنا
- قال: لا أفهم الاستعارةقلنا: لماذا تغلغلت في ما نقول
- وفي ما نحس؟فقال: طريقة ظلّكما في ارتداء الحصى
- والقطا أَفزعتنيسألناه: مَّمِ تخاف؟
- فقال: من الظلّ... للظلّ رائحة الثومحيناً ورائحةُ الدم حيناً
- سألناه: من أين جئتَ؟فقال: من اللامكان، فكُلُّ مكانٍ
- بعيدٍ عن الله أَو أَرضه هو منفى.ومن أَنتما؟
- فقلنا له: نحن أحفاد روح المكان.وُلدنا هنا... وهنا سوف نحيا إذا
- بقي الربُّ حيّاً. وكل مكانٍ بعيدٍعن الله أو أَرضه هو منفى
- فقال: طريقة ظلِّكما في ارتداء المكانتثير الشكوك
- سألناه: فيم تشكّ؟فقال: بظلِّ ينازع ظلاًّ
- فقلنا له: أَلأَنَّ المسافة ما بين أَمسوحاضرنا لم تزل خَصْبَةً لثلاثيَّةِ الوقت؟
- قال: قتلتكما أَمسقلنا: عفا الموت عنا
- فصاح: أَنا حارس الأبديةقولا: وداعاً لما سيكون
- وما كانقولا وداعاً لرائحة الثوم
- والدم في ظلّ هذا المكانالشيء معنىً هنا، والشيء يصنعني
- ذاتاً تعيد إلى المعنى ملامحهفكيف أُولد من شيء... وأصنعُهُ
- أَمتدُّ في الشجر العالي فيرفعنيإلى السماء، وأَعلو طائراً حَذِراً
- لا شيء يخدعه، لا شيء يصرعُهُفي كُلّ شيء أرى روحي ويوجعني
- ما لا أُحس به، أو لا يحسّبروحي حين توجعُهُ
- أَنا وأَنا لا نصدِّق هذا الطريق الترابيِّلكننا سائران على أَثَر النمل ( إنَّ
- القيافة خارطةُ الحَدْس) لا الشمسغابت تماماً، ولا القمر البرتقاليُّ ضاءَ
- أَنا وأَنا لا نصدِّق أَنَّ البدايةتنتظر العائدين إليها، كأمّ على
- دَرَج البيت. لكننا سائران ولوخذلتنا السماء
- أَنا وأنا لا نصدِّق أن الحكايةعادت بنا شاهدين على ما فعلنا:
- نسيتكَ مثل قميصي المُبقّع بالتوتحين ركضت الى غابة وندمت...
- وأَمَّا انا فنسيتك حين احتفظتبريشةِ عنقاءَ لي... وندمت
- - ألا نتصالحُ؟ قلتُفقال: تريِّثْ. هناكَ على عبد مترين
- مدرستي، فتعال نخلِّصْ حروف الهجاءمن العنكبوت، ونتركْ له أحرف العلّة
- الباكيات!تذكرتُها: حائطانِ قديمانِ من دون
- سقف كحرفين من لغة شهوَّتها الرمالُوهزَّةُ ارض سدوميَّةٌ. بقراتٌ سمانٌ
- تنام على الأبجدية. كَلْبٌ يُحَرِّك ذيلالرضا والفكاهة. ليل صغيرٌ يرتِّبُ
- أشياءه لنشاط الثعالب/قال: الحياة تواصل روتينها بعدنا.
- يا لها! يا لها من إباحيَّة لا تفكَّر إلاّبإشباع شهوتها
- قلتُ: هل نتصالح كي نتقاسَمَ هذاالغياب. فنحن هنا وحدنا في القصيدة؟
- قال: تريَّثْ . هناك على حافة التلِّ،من جهة الشرق، مَقْبَرَة ُالأهل. فلنمضِِ
- قبل هبوط الظلام على الميتينسلام على النائمين
- سلام على الحالمينببستان فردوسهم آمنين
- سلام على الصاعدين خفافاًعلى سُلَّم الله/
- في حضرة الموت لا نتشبثإلاّ بصحِّة أسماءنا...
- عَبَثٌ ماجنٌ. لم نجد حجراً واحداًيحمل اسم الضحية، لا أسمي ولا
- اسمك/- مَنْ مات منا، سألت، أَنا أم
- أنا؟قال: لا أعرف الآن
- قلت: ألا نتصالح؟قال: تريّث!
- فقلت: أتلك هي العودة المشتهاة؟فقال: وملهاة إحدى إلهاتنا العابثات،
- فهل أَعجبتك الزيارة؟قلت: أتلك نهاية منفاك؟
- قال: وتلك بداية منفاكقلت: وما الفرق؟
- قال: دَهَاءُ البلاغةِقلت: البلاغةُ ليست ضروريّة للخسارةِ
- قال: بلى، فالبلاغةُ تقنع أرملةًبالزواج من السائح الأجنبيِّ، وتحمي
- ورود الحديثة من عَبَثِ الريحِقلت: أَلا نتصالَحُ؟
- قال: أذا وقَّع الحيُّ والميت، فيجسد واحد ، هدنةًً
- قلت: هذا إنا الميت والحيّقال: نسيتك ، من أنت؟
- قلت: إنا نسخة عن " أنا" ك التي انتبهت لكلامالفراشة لي: يا أَخي في الهشاشة...
- قال: ولكنها احترقتقلت: لا تحترق مثلها
- والتفتُّ إليه ، فلم أَره، فصرختبكُلِّ قوايَ: اُنتظرني! وخذ كل شيء
- سوى الاسم/لم ينتظرني، وطار... وأَدركني الليل
- فاستدرجت صرختي شبحاً عابراًقلت: من أنت؟
- قال: السلام عليك، فقلت: عليك السلامفمن أنت؟
- قال: أنا سائح أجنبي أحب أساطيركموأحب الزواج بأرملةٍ من بنات عناة!
طول القصيدة
- 1
- 2
- 4
- 6
- 9
- 14
- 19
- 29
- 49
- 79
- 516
149 بيتاً. شريحتها 1% من المتن، ودونها 99%.
المقام: 54,927 قصيدة، والتغطية 100%. الرقم تحت كل عمود أعلى شريحته، وعدد الأبيات الموسوم يطابق عدّ الأبيات المخزّنة في كل قصيدة.
المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.