قصيدة

منفى (2)/ ضباب كثيف على الجسر

محمود درويش · قافيتها غير موسومة · 135 بيتاً

  1. قال لي صاحبي، والضبابُ كثيفٌعلى الجسر:
  2. هل يُعْرَفْ الشيءُ من ضدّهِ؟قلت: في الفجر يتِّضحُ الأمرُ
  3. قال: وليس هنالك وقتٌ أَشدّالتباساً من الفجر،
  4. فاترك خيالك للنهر /في زرقة الفجر يُعْدَمُ في
  5. باحة السجن, أو قرب حرش الصنوبرشابٌ تفاءل بالنصر /
  6. في زرقة الفجر ترسم رائحةُ الخبزخارطةً للحياة ربيعيَّةَ الصيف /
  7. في زرقة الفجر يستيقظ الحالمونخفافاً ويمشون في ماء أَحلامهم
  8. مرحين- إلى أَين يأخذنا الفجرُ, والفجر
  9. جِسْرٌ، إلى أَين يأخذنا؟قال لي صاحبي: لا أريد مكاناً
  10. لأُدفَنَ فيه. أريد مكاناً لأَحيا،وأَلعنَهُ إن أردتُ.
  11. فقلت له – والمكان يمرُّ كإيماءةبيننا: ما المكان؟
  12. فقال: عُثُورُ الحواسِّ على موطىءللبديهة،
  13. ثم تنهد:يا شارعاً ضيقاً كان يحملني
  14. في المساء الفسيح إلى بيتهافي ضواحي السكينةْ
  15. أما زلت تحفظ قلبيَعن ظهر قلب،
  16. وتنسى دخان المدينة؟قلت له: لا تراهن على الواقعىّ
  17. فلن تجد الشيء حياً كصورته فيانتظارك...
  18. إنَّ الزمان يُدجِّن حتى الجبالفتصبح أَعلى, وتصبح أوطأ مما عرفت.
  19. إلى أَين يأخذنا الجسرُ؟قال: وهل كان هذا الطريقُ
  20. طويلاً إلى الجسرِ؟قلت: وهل كان هذا الضبابُ
  21. كثيفاً على دَرَج الفجرِ؟كم سنةً كُنْتَ تشبهني؟
  22. قال: كم سَنَةً كُنْتَ أَنتَ أَنا؟قلتُ: لا أَتذكَّرُ
  23. قال: ولا أتذكر أني تذكرتغير الطريق
  24. وغنَّى:[على الجسر، في بلد آخرٍ
  25. يعلن الساكسفونُ انتهاءَ الشتاءعلى الجسر يعترف الغرباء
  26. بأخطائهم، عندما لا يشاركهمأَحَدٌ في الغناء [
  27. وقلت له: منذ كم سنة نَسْتَحِثُّالحمامة: طيري إلى سدرة المنتهى،
  28. تحت شباكنا، يا حمامة طيري وطيريفقال: كأني نسيت شعوري
  29. وقال: وعما قليل نقلِّد أَصواتناحين كنا صغيرين. نلثغ بالسين واللام.
  30. نغفو كزوجي يمام على كرمة ترتديالبيت. عما قليل تطلُّ علينا الحياةُ
  31. بديهيَّةً. فالجبال على حالها، خلفصورتها في مخيلتي. والسماءُ القديمةُ
  32. صافية اللون والذهن، إن لميَخُنّي الخيال، تظلُّ على حالها
  33. مثل صورتها في مخيّلتي، والهواءالشهيُّ النقيّ البهيّ يظل على
  34. حاله في انتظاري.. يظلُّ على حاله.قلت: يا صاحبي، أَفْرَغتني الطريقُ
  35. الطويلة من جسدي. لا أحس بصلصاله.لا أحسُّ بأحواله. كلما سرت طرت.
  36. خطايَ رؤاي. وأَما ((أنا)) ي، فقدلَوَّحَتْ من بعيد:
  37. ((إذا كان دربُكَ هذاطويلاً
  38. فلي عَمَلٌ في الأساطير((أيدٍ إلهيَّةٌ دَرَّبتنا على حفر أسمائنا
  39. في فهارس صفصافة. لم نكن واضحينولا غامضين. ولكنَّ أسلوبنا في
  40. عبور الشوارع من زمنٍ نحو آخرَكان يثير التساؤل: مَنْ هؤلاءِ
  41. الذين إذا شاهدوا نخلةً وقفواصامتين، وخرّوا على ظلِّها ساجدين؟
  42. ومن هؤلاء الذين إذا ضحكوا أزعجواالآخرين؟
  43. على الجسر، في بلد آخر، قال لييُعْرَفُ الغرباءُ من النَّظَر المتقطِّع في الماءK
  44. أو يُعْرَفُون من الانطواء وتأتأة المشي.فابنُ البلاد يسير إلى هدفٍ واضحٍ
  45. مستقيمَ الخطى. والغريب يدور علىنفسه حائراً
  46. قال لي: كُلُّ جسرِ لقاء... علىالجسر أدخل في خارجي, وأسلم
  47. قلبي إلى نَحْلَةٍ أو سُنُونُوَّةٍقلت: ليس تماماً. على الجسر أمشي
  48. إلى داخلي، وأروِّض نفسي علىالانتباه إلى أمرها. كُلُّ جسرٍ فصام،
  49. فلا أنت أنت كما كنت قبل قليل،ولا الكائنات هي الذكريات
  50. أنا اثنان في واحدأم أنا
  51. واحدٌ يتشظى إلى اثنينيا جسْرُ يا جسرُ
  52. أيّ الشَّتِيتَيْنِ منا أَنا؟مشينا على الجسر عشرين عاما
  53. مشينا على الجسر عشرين متراذهاباً إياباً،
  54. وقلت: ولم يبقَ إلاّ القليلوقال : ولم يبقَ إلاّ القليل
  55. وقلنا معاً، وعلى حدة، حالمين:- سأمشي خفيفاً، خُطَايَ على الريحِ
  56. قوسٌ تدغدغ أرضَ الكمانسأسمعُ نبض دمي في الحصى
  57. وعُرُوق المكان- سأسندُ رأسي إلى جذع خَرُّوبٍة،
  58. هي أُمِّي، ولو أنْكَرَتْنيسأغفو قليلاً، ويحملني طائران صغيران
  59. أعلى وأعلى... إلى نجمةٍ شرّدَتْني- سأُوقظُ روحي على وَجَعٍ سابق
  60. قادم كالرسالة، من شرفة الذاكرةْسأهتف: ما زلتُ حيّاً، لأنيَ
  61. أَشعر بالسهم يخترق الخاصرةْ- سأنظر نحو اليمين، إلى جهة الياسمين
  62. هناك تعلَّمْتُ أُولى أغاني الجسدْسأنظر نحو اليسار، إلى جهة البحر
  63. حيث تعلَّمتُ صَيْدَ الزَّبَدْ- سأكذب مثل المراهق: هذا الحليب
  64. على بنطلوني ثُمَاَلةُ حُلْمٍ تحرَّش بي... وانتهىسأنكر أني أُقلِّدُ قيلولة الشاعر
  65. الجاهليِّ الطويلةَ بين عيون المها- سأشرب من حَنَفيَّة ماء الحديقة حفنةَ
  66. ماء. وأَعطش كالماء شوقاً إلى نفسِهِسأسأل أوّل عابر درب: أَشاهدتَ
  67. شخصاً على هيئة الطيف، مثلى ، يُفتِّشعن أَمسِه؟
  68. -سأحمل بيتي على كتفيَّ... وأَمشيكما تفعل السلحفاة البطيئةْ
  69. سأصطاد نسراً بمكنسة، ثم أسأل:أَين الخطيئة؟
  70. - سأبحث في الميثولوجيا وفي الأركيولوجياوفي كل جيم عن اسمي القديم
  71. ستنحازُ إحدى إلهات كَنْعَانَ لي، ثُمَّتحلف بالبرق: هذا هو ابني اليتيم
  72. - سأُثني على امرأةٍ أنجبتْ طفلةًفي الأنابيب. لكنها لا تمتُّ إليها بأيِّ شَيَهْ
  73. سأبكي على رجل مات حين انتَبهْ- سآخذ سطر المَعَرّيِّ ثم أُعدِّلُه:
  74. جَسَدي خرقَةٌ من تراب، فيا خائطَالكون خِطْني!
  75. سأكتب: يا خالقَ الموت، دعنيقليلاً.... وشأني !
  76. - سأوقظ موتايَ: نحن سواسيةٌ أيهاالنائمون, أما زلتُم مثلنا تحملون
  77. بيوم القيامةْ؟سأجمع ما بعثرته الرياحُ من الغَزَل
  78. القُرْطُبيَّ، وأكملُ طَوْقَ الحمامةْ- سأختار من ذكرياتي الحميماتِ
  79. وَصْفَ الملائم: رائحة الشرشف المتجعّدبعد الجِماع كرائحة العشب بعد المطرْ
  80. سأشهد كيف سيخضرُّ وجه الحجرْ- سيلسعُني وَرْدُ آذارَ, حيث وُلدتُ
  81. للأوّل مَرّةْستحمل بي زهرةُ الجُلَّنار, وأُولَدُ منها
  82. لآخر مَرَّةْ!- سأَنأى عن الأمس، حين أُعيد
  83. له إرثه: الذاكرةْسأدنو من الغد حين أطارد قُبَّرةً
  84. ماكرةْ- سأعرف أَني تأخَّرْتُ عن موعدي
  85. وسأعرف أنَّ غديمَرَّ, مَرَّ السحابِة، منذ قليل،
  86. ولم ينتظرنيسأعلم أن السماء ستمطر بعد قليل
  87. عليَّوأَنّي
  88. أَسير على الجسر /هل نطأ الآن أرض الحكاية؟ قد
  89. لا تكون كما نتخيّلُ ((لا هي سَمْنٌو لا عَسَلٌ)) والسماء رماديَّةُ اللون.
  90. والفجر ما زال أزرقَ ملتبساً. ماهو الزمن الآن؟ جسرٌ يطول
  91. ويقصُرُ.. فجر يطول ويمكر. ماالزمن الآن؟ /
  92. تغفو البلادُ القديمةُ خلف قلاعسياحيّةٍ. والزمان يهاجر في نجمة
  93. أَحرقت فارساً عاطفياً. فيا أيهاالنائمون على إبر الذكريات! أَلا
  94. تشعرون بصوت الزلازل في حافر الظبي؟قلت له: هل أَصابتك حُمَّى؟
  95. فتابع كابوسه: أَيها النائمون! ألاتسمعون هسيس القيامة في حبة
  96. الرمل؟قلت له: هل تكلمني؟ أم تكلِّم
  97. نفسك؟قال: وصلتُ إلى آخر الحلم...
  98. شاهدتُ نفسي عجوزاً هناك،وشاهدتُ قلبي يطارد كلبي هناك
  99. وينبحُ.. شاهدتُ غرفةَ نوميتُقَهْقِهُ: هل أنتَ حيّ؟ تعال
  100. لأحمل عنك الهواء وعكازك الخشبيَّالمرصَّع بالصدف المغربيِّ!! فكيف
  101. أُعيد البداية، يا صاحبي، من أَنا؟من أنا دون حُلْم ورفقة أُنثى؟
  102. فقلت: نزور فتات الحياة, الحياةكما هي، ولنتدرَّبْ على حُبّ أشياء
  103. كانت لنا، وعلى حُبّ أشياء ليستلنا... ولنا إن نظرنا إليها معاً من
  104. علٍ كسقوط الثلوج على جَبَلٍقد تكون الجبال على حالها
  105. والحقول على حالهاوالحياة بديهية ومشاعاً،
  106. فهل ندخل الآن أرض الحكاية ياصاحبي؟
  107. قال لي: لا أُريد مكاناً لأُدفن فيهأريد مكاناً لأحيا، وألعنه لو أردت...
  108. وحملق في الجسر: هذا هو الباب.باب الحقيقة. لا نستطيع الدخول ولا
  109. نستطيع الخروجولا يُعْرَفُ الشيء من ضدِّهِ
  110. ألممرات مُغْلَقَةٌوالسماءُ رماديَّةُ الوجه ضَيِّقَةٌ
  111. ويدُ الفجر ترفع سروال جنديّةٍعالياً عالياً...
  112. وبقينا على الجسر عشرين عاماًأكلنا الطعام المعلّب عشرين عاماً
  113. لبسنا ثياب الفصول،استمعنا إلى الأغنيات الجديدة،
  114. جَيِّدةِ الصنع،من ثكنات الجنود
  115. تزوَّج أولادنا بأميرات منفىوغيَّرن أسماءهم،
  116. وتركنا مصائرنا لهواة الخسائرفي السينما.
  117. وقرأنا على الرمل آثارنالم نكن غامضين ولا واضحين
  118. كصورةِ فجرٍ كثيرِ التثاؤُبِ /قلت: أما زال يجرحك الجرح، يا
  119. صاحبي؟قال لي: لا أُحسُّ بشيْ
  120. فقد حوَّلت فكرتي جسدي دفتراً للبراهين،لا شيء يثبت أَني أنا
  121. غَيْرُ موتٍ صريحٍ على الجسر،أَرنو إلى وردة في البعيد
  122. فيشتعل الجمرأرنو إلى مسقط الرأس، خلف البعيد
  123. فيتسع القبرُ /قلت: تمهل و لا تَمُتِ الآن. إنَّ الحياةَ
  124. على الجسر ممكنةٌ. والمجاز فسيح المدىههنا بَرْزَخٌ بين دنيا و آخرةٍ
  125. بين منفى وأرضٍ مجاورةٍ...قال لي, والصقور تحلق من فوقنا:
  126. خُذِ اسمي رفيقاً وحدِّثْهُ عنيوعش أنت حتى يعود بك الجسر
  127. حياً غدالا تقل: إنه مات, أو عاش
  128. قرب الحياة سدى!قل: أطلَّ على نفسه من علٍ
  129. ورأى نفسه ترتدي شجراً, واكتفىبالتحيَّةِ: /
  130. إن كان هذا الطريق طويلاًفلي عَمَلٌ في الأساطير /
  131. كنت وحيداً على الجسر، في ذلكاليوم، بعد اعتكاف المسيح على
  132. جبل في ضواحي أريحا... وقبل القيامة.أمشي و لا أستطيع الدخول ولا أستطيع
  133. الخروج ... أدور كزهرة عبَاد شمسٍوفي الليل يوقظني صوت حارسة الليل
  134. حين تغنّي لصاحبها:لا تَعِدْني بشيء
  135. ولا تُهدِنيوردةً من أريحا!

المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.