قصيدة

نهارَ الثُّلاثاء

محمود درويش · قافيتها غير موسومة · 131 بيتاً

  1. نهارَ الثُّلاثاء, والجوُّ صافٍ, أَسيرُعلي شارعٍ جانبيّ مُغَطّى بسقف من
  2. الكستناء... أسير خفيفاً خفيفاً كأنيتبخَّرتُ من جسدي, وكأني علي موعد
  3. مع إحدى القصائد. أنظر في ساعتيشارداً. أتصفَّحُ أوراق غيم بعيد
  4. تدوِّن فيه السماءُ خواطرَ عليا, أُقلِّبُأحوال قلبي علي شجر الجوز: خال ٍ
  5. من الكهرباء ككوخ صغير علي شاطىءالبحر. أسْرَعَ, أبطأَ, أسرعَ أمشي.
  6. أحدِّق في اللافتات علي الجانبين...ولا أحفظ الكلمات. أدندن لحناً
  7. بطيئاً كما يفعل العاطلون عن العمل:((النهر كالمهر يجري إلى حتفه / البحرِ
  8. والطيرُ تختطف الحَبَّ من كتِفِ النهر))أَهجس، أَهمس في السرّ: عِشْ
  9. غدك الآن! مهما حَييتَ فلن تبلغالغَدَ.... أرضَ للغد، واحلُمْ
  10. ببطء , فمهما حلمت ستدرك أنَّالفراشة لم تحترق لتضيئك /
  11. أَمشي خفيفاً خفيفاً. وأَنظر حوليلعلِّي أرى شَبَهاً بين أوصاف نفسي
  12. وصفصاف هذا الفضاء فلا أَتبيّنشيئاً يشير إليَّ
  13. [إذا لم يُغَنَّ الكناريُّيا صاحبي لَكَ... فاعلمْ
  14. بأنك سجان نفسك ، إنلم يُغَنّ الكناريُّ]
  15. لا أَرضَ ضيِّقةً كأصيص الورودكأرضك أنتَ... ولا أرضَ واسعةً
  16. كالكتاب كأرضك أنت.. ورؤياكمنفاك في عالم لا هُويَّة للظلّ
  17. فيه، ولا جاذبيّة /تمشي كأنك غيرك /
  18. لو أستطيع الحديث إلى أَحد فيالطريق لقُلْتُ: خصوصيِّتي هي ما
  19. لا يدلُّ عليَّ، وما لا يُسَمِّىمن الموت حلماً، ولا شيء أكثر /
  20. لو أستطيع الحديث إلى امرأةفي الطريق لقلتُ: خصوصيتي لا
  21. تثير انتباهاً: تكلُّسُ بعض الشرايينفي القدمين، ولا شيء أكثر، فامشي
  22. الهوينى معي مثل مشي السحابة"لا هي رَيْثٌ... ولا عجل" ...
  23. لو أستطيع الحديث إلى شبح الموتخلف سياج الأضاليا لقلتُ: وُلدنا
  24. معاً توأمين، أَخي أنت يا قاتلي،يا مهندس دربي على هذه الأرض...
  25. أمي وأمِّك، فارمِ سلاحكَ /لو أستطيع الحديث إلى الحُبِّ، بعد
  26. الغداء، لقلت له: حين كنافَتيَّين كنا لُهَاثَ يدين على زَغَب
  27. المفردات، وكُنْتَ قليل الصفات، كثيرَالحراك، وأوضحَ: فالوجه وَجْهُ
  28. ملاكٍ يجيء من النوم، والجسمكَبْشٌ بقُوَّة حُمَّى. وكنت تُسمَّى
  29. كما أَنت "حباً" فيُغْمى عليناويُغمى على الليل /
  30. أمشي خفيفاً، فأكبر عَشْرَ دقائقَ،عشرين، ستِّين... أَمشي وتنقص
  31. قيَّ الحياةُ على مهلها كسُعالٍ خفيف.أفكِّر: ماذا لو أني تباطأتُ، ماذا
  32. لو أني توقّفْتُ؟ هل أوقف الوقت؟هل أربك الموت؟ أسخر من فكرتي،
  33. ثم أسأل نفسي: إلى أين تمشينأيتها المطمئنة مثل النعامة؟ أَمشي
  34. كأن الحياة تعدِّل نقصانها بعد حين.ولا أتلفت خلفي، فلن أستطيع
  35. الرجوع إلى أي شيء، ولا أستطيعالتماهي
  36. ولو أستطيع الحديث إلى الربِّ قلت:إلهي إلهي! لماذا تخليتَ عني؟
  37. ولستُ سوى ظلِّ ظلك في الأرض،كيف تخلَّيْتَ عني، وأَوقعتني في
  38. فخاخ السؤال: لماذا خلقت البعوضإلهي إلهي؟
  39. وأَمشي بلا موعدٍ، خالياً منوعود غدي. أَتذكِّرُ أني نسيتُ،
  40. وأنسى كما أَتذكِّرُ:أنسى غراباً على غصن زيتونةٍ
  41. أتذكِّر يُقْعَةَ زيتٍ على الثوبِأنسى نداء الغزال إلى زَوْجِه
  42. أتذكِّرُ خط النمال على الرملِأنسى حنيني إلى نجمةٍ وقعتْ من يدي
  43. أتذكِّرُ فَرْوَ الثعالبِأنسى الطريق القديم إلى بيتنا
  44. أتذكِّرُ عاطفةً تشبه المندرينةَأنسى الكلامَ الذي قُلْتُهُ
  45. أتذكِّر ما لم أَقل بعدأنسى روايات جدي وسيفاً على حائطٍ
  46. أتذكِّر خوفي من النومِأنسى شفاهَ الفتاة التي امتلأت عنباً
  47. أتذكر رائحة الخسِّ بين الأصابعِأنسى البيوت التي َدوِّنت سيرتي
  48. أتذكر رَقْمَ الهُويِّةِأنسى حوادث كبرى وهزِّةَ أرض مدمِّرةً
  49. أتذكِّر تبغ أبي في الخزانةأَنسى دروب الرحيل إلى عَدَمٍ ناقصٍ
  50. أتذكر ضوء الكواكب في أطلس البدوأنسى أزيز الرصاص على قرية أَقفرت
  51. أتذكر صوت الجداجد في الحرشأَنسى كما أتذكر، أو أتذكر أني نسيت
  52. [ ولكننيأتذكر
  53. هذا النهار،نهار الثلاثاء
  54. والجوُّ صافٍ ]وأَمشي على شارع لا يؤدي إلى
  55. هدف . رُبَّما أرشدتني خُطَايَ إلىمقعد شاغر في الحديقة، أو
  56. أرشدتني إلى فكرة عن ضياع الحقيقةبين الجماليّ والواقعي. سأجلس وحدي
  57. كأني على موعد مع إحدى نساءالخيال. تخيِّلتُ أني انتظرت طويلاً،
  58. وأني ضجرت من الانتظار، وأني انفجرت:لماذا تأخِّرتِ؟ تكذب: كان الزحامُ
  59. شديداً على الجسر. فاهدأْ. سأهدأُحين تداعب شعري. سأََشعر أنَّ
  60. الحديقة غرفتنا والظلالَ ستائرُ[ إن لم يُغَنِّ الكناريُّ
  61. يا صاحبي لَكَ... فاعلمبأنك أفرطتَ في النوم
  62. إن لم يغنِّ الكناريُّ ]وتسأل: ماذا تقول؟
  63. أقول لها: لم يغنّ الكناريُّ ليهل تذكُّرتِني يا غريبةُ؟ هل أُشبه
  64. الشاعر الرعويَّ القديَم الذي توَّجَتْهُالنجومُ مليكاً على الليل، ثم تنازل
  65. عن عرشه حين أَرسلته راعياًللغيوم؟ تقول: وهل يشبه اليومُ أَمسِ،
  66. كأنك أَنتَ...[ هناك، على المقعد الخشبي المقابلِ
  67. بنتٌ يُفتٍّتُها الانتظاروتبكي،
  68. وتشرب كأس عصير...تُلمّع بلّور قلبي الصغير
  69. وتحمل عني عواطف هذا النهار ]وأسألها: كيف جئتِ؟
  70. تقول: أتيتُ مصادفةً. كنت أمشيعلى شارع لا يؤدي إلى هدفٍ.
  71. قلت: أمشي كأني على موعد...ربما أرشدتني خُطَايَ إلى مقعد شاغر
  72. في الحديقة، أو أرشدتني إلى فكرةعن ضياع الحقيقة بين الخياليِّ والواقعيّ
  73. وهل أنت تذكرني يا غريب؟وهل أُشبه امرأةً الأمس، تلك الصغيرةَ،
  74. ذات الضفيرةِ، والأغنيات القصيرةِعن حبنا بعد نوم طويل
  75. أقول: كأنَّكِ أنتِ..[ هناك فتىً يدخل الآن
  76. باب الحديقة،يحمل خمساً وعشرين زنبقةً
  77. للفتاة التي انتظرتهويحمل عني فُتُوَّة هذا النهار ]
  78. صغير هو القلب... قلبيكبير هو الحب... حُبيّ
  79. يسافر في الريح، يهبطُيفرطُ رُمَّانةًً، ثم يسقطُ
  80. في تيه عينين لوزيتينويصعد من فجر غمَّازتين
  81. وينسى طريق الرجوع إلى بيته واسمهصغير هو القلب... قلبي
  82. كبير هو الحب /..هل كان الذي كُنْتُهُ – هُو؟
  83. أم كان ذاك الذي لم أكنه –أَنا؟تقول: لماذا تحكُّ الغيومُ أَعالي الشجرْ؟
  84. أقول: لتلتصق الساقُ بالساقتحت رذاذ المطرْ
  85. تقول: لماذا تحملق بي قطَّة خائفةْ؟أقول: لكي توقفني العاصفةْ
  86. تقول: لماذا يحنُّ الغريب إلى أَمسِهِأَقول: ليعتمد الشعر فيه على نفِسهِ
  87. تقول: لماذا تصير السماءُ رماديَّة اللونعند العشيةْ؟
  88. أقول: لأنك لم تسكبي الماء في المزهريّْةتقول: لماذا تبالغ في السخريةْ؟
  89. أقول: لكي تأكل الأغنيةْقليلاً من الخبز ما بين حين وحين
  90. تقول: لماذا نحبّ، فنمشي على طُرُقٍ خاليةْ؟أقول: لنقهر الموت كثيرا بموت أَقلّ
  91. وننجو من الهاويةْتقول: لماذا حلمتُ بأني رأيت سُنوُنُوَّة ًفي يدي؟
  92. أقول: لأنك في حاجةٍ لأَحدْتقول: لماذا تذكِّرني بغد لا أراه
  93. معك؟أقول: لأنك إحدى صفات الأبدْ
  94. تقول: ستمضي إلى نَفَقِ الليل وحدكبعدي
  95. أقول: سأمضي إلى نفق الليل بعدكوحدي
  96. .. وأَمشي ثقيلاً ثقيلاً، كأني على موعدمع إحدى الخسارات. أَمشي وبي شاعر
  97. يستعدّ لراحته الأبديّةِ في ليل لندن.يا صاحبي في الطريق إلى الشام! لم نبلغ
  98. الشام بعد، تمهّل تمهّل، ولا تجعلالياسمينة ثكلى، ولا تمتحنّي، بمرثيَّة:
  99. كيف أحمل عبء القصيدةعنك وعني؟
  100. قصيدةُ من لا يُحبُّونَ وَصْفَ الضبابقصيدتُهُ
  101. معطفُ الغيم فوق الكنيسةمعطفُهُ
  102. سرّ قلبين يلتجئان إلى بََردىسرّهُ
  103. نخلة السومرية، أمِّ الأناشيدنخلتُهُ
  104. ومفاتيحُ قرطبةٍ في جنوب الضبابمفاتيحُهُ
  105. لايُذَيِّل أشعاره باُسمهفالفتاة الصغيرة تعرفُهُ
  106. إن أحسَّتْ بوخز الدبابيسوالملح في دمها.
  107. هو، مثلي، يطارده قلبُهُوأنا، مثله، لا أُذيّل باسمي الوصيَّة
  108. فالريح تعرف عنوان أهلي الجديدعلى سفح هاوية في جنوب البعيد
  109. وداعاً، صديقي، وداعاً وسلّم على الشام /لَستُ فتياً لأحمل نفسي
  110. على الكلمات، ولست فتيّاًلأكمل هذي القصيدةَ /
  111. أَمشي مع الضاد في الليل –تلك خصوصيتي اللغويةُ – أمشي
  112. مع الليل في الضاد كهلاً يحثّحصاناً عجوزاً على الطيران إلى برج
  113. إيفل. يا لغتي ساعديني على الاقتباسلأحتضن الكون. في داخلي شُرْفَةٌ لا
  114. يَمُرّ بها أَحَدٌ للتحيَّة. في خارجي عالملا يردُّ التحيُّة. يا لغتي! هل أكون
  115. أنا ما تكونين؟ أم أنت – يا لغتي –ما أكون؟ ويا لغتي دربيني على
  116. الاندماج الزفافيّ بين حروف الهجاءوأعضاء جسمي – أَكن سيّدأ لا صدى.
  117. دَثّريني بصوفك يا لغتي، ساعدينيعلى الاختلاف لكي أبلغ الائتلاف. لِدِيني
  118. أَلِدْك. أنا ابنك حيناً، وحيناً أبوكوأمك. إن كنتِ كنتُ، وإن كُنْتُ
  119. كنتِ. وسمّي الزمان الجديد بأسمائهالأجنبّيةِ يا لغتي، واستضيفي الغريب
  120. البعيد ونَثْرَ الحياة البسيطَ لينضجشعري. فَمَنْ – إن نطقتُ بما ليس
  121. شعراً – سيفهمني؟ من يكَلّمنيعن حنينٍ خفيِّ إلى زمن ضائع إن
  122. نطقتُ بما ليس شعراً؟ ومن – إننطقت بما ليس شعراً – سيعرف
  123. أرض الغريب؟سجا الليل، واكتمل الليل، فاُسْتَيقََظََتْ
  124. زهرةٌ للتنفس عند سياج الحديقة.قلتُ: سأشهد أنَي َما زلت حياً،
  125. ولو من بعيد. وأني حلمت بأن الذيكان يحلم، مثلي، أنا لا سواي...
  126. وكان نهاري، نهار الثلاثاء رحباً طويلاً،وليلي وجيزاً كفصلٍ قصيرٍ أُضيف
  127. إلى المسرحية بعد نزول الستارة. لكننيلن أُسيء إلى أحد...
  128. إن أضَفْتُ: وكان نهاراً جميلاً،كقصةِ حُبٍّ حقيقيةٍ في قطار سريع
  129. [إذا لم يغنِّ الكناريّيا صاحبي،
  130. لا تَلُمء غير نفسك.إن لم يُغَنِّ الكناريُّ
  131. يا صاحبي لَكَغنِّ له أَنت ... غَنِّ له]

المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.