قصيدة
نهارَ الثُّلاثاء
محمود درويش · قافيتها غير موسومة · 131 بيتاً
- نهارَ الثُّلاثاء, والجوُّ صافٍ, أَسيرُعلي شارعٍ جانبيّ مُغَطّى بسقف من
- الكستناء... أسير خفيفاً خفيفاً كأنيتبخَّرتُ من جسدي, وكأني علي موعد
- مع إحدى القصائد. أنظر في ساعتيشارداً. أتصفَّحُ أوراق غيم بعيد
- تدوِّن فيه السماءُ خواطرَ عليا, أُقلِّبُأحوال قلبي علي شجر الجوز: خال ٍ
- من الكهرباء ككوخ صغير علي شاطىءالبحر. أسْرَعَ, أبطأَ, أسرعَ أمشي.
- أحدِّق في اللافتات علي الجانبين...ولا أحفظ الكلمات. أدندن لحناً
- بطيئاً كما يفعل العاطلون عن العمل:((النهر كالمهر يجري إلى حتفه / البحرِ
- والطيرُ تختطف الحَبَّ من كتِفِ النهر))أَهجس، أَهمس في السرّ: عِشْ
- غدك الآن! مهما حَييتَ فلن تبلغالغَدَ.... أرضَ للغد، واحلُمْ
- ببطء , فمهما حلمت ستدرك أنَّالفراشة لم تحترق لتضيئك /
- أَمشي خفيفاً خفيفاً. وأَنظر حوليلعلِّي أرى شَبَهاً بين أوصاف نفسي
- وصفصاف هذا الفضاء فلا أَتبيّنشيئاً يشير إليَّ
- [إذا لم يُغَنَّ الكناريُّيا صاحبي لَكَ... فاعلمْ
- بأنك سجان نفسك ، إنلم يُغَنّ الكناريُّ]
- لا أَرضَ ضيِّقةً كأصيص الورودكأرضك أنتَ... ولا أرضَ واسعةً
- كالكتاب كأرضك أنت.. ورؤياكمنفاك في عالم لا هُويَّة للظلّ
- فيه، ولا جاذبيّة /تمشي كأنك غيرك /
- لو أستطيع الحديث إلى أَحد فيالطريق لقُلْتُ: خصوصيِّتي هي ما
- لا يدلُّ عليَّ، وما لا يُسَمِّىمن الموت حلماً، ولا شيء أكثر /
- لو أستطيع الحديث إلى امرأةفي الطريق لقلتُ: خصوصيتي لا
- تثير انتباهاً: تكلُّسُ بعض الشرايينفي القدمين، ولا شيء أكثر، فامشي
- الهوينى معي مثل مشي السحابة"لا هي رَيْثٌ... ولا عجل" ...
- لو أستطيع الحديث إلى شبح الموتخلف سياج الأضاليا لقلتُ: وُلدنا
- معاً توأمين، أَخي أنت يا قاتلي،يا مهندس دربي على هذه الأرض...
- أمي وأمِّك، فارمِ سلاحكَ /لو أستطيع الحديث إلى الحُبِّ، بعد
- الغداء، لقلت له: حين كنافَتيَّين كنا لُهَاثَ يدين على زَغَب
- المفردات، وكُنْتَ قليل الصفات، كثيرَالحراك، وأوضحَ: فالوجه وَجْهُ
- ملاكٍ يجيء من النوم، والجسمكَبْشٌ بقُوَّة حُمَّى. وكنت تُسمَّى
- كما أَنت "حباً" فيُغْمى عليناويُغمى على الليل /
- أمشي خفيفاً، فأكبر عَشْرَ دقائقَ،عشرين، ستِّين... أَمشي وتنقص
- قيَّ الحياةُ على مهلها كسُعالٍ خفيف.أفكِّر: ماذا لو أني تباطأتُ، ماذا
- لو أني توقّفْتُ؟ هل أوقف الوقت؟هل أربك الموت؟ أسخر من فكرتي،
- ثم أسأل نفسي: إلى أين تمشينأيتها المطمئنة مثل النعامة؟ أَمشي
- كأن الحياة تعدِّل نقصانها بعد حين.ولا أتلفت خلفي، فلن أستطيع
- الرجوع إلى أي شيء، ولا أستطيعالتماهي
- ولو أستطيع الحديث إلى الربِّ قلت:إلهي إلهي! لماذا تخليتَ عني؟
- ولستُ سوى ظلِّ ظلك في الأرض،كيف تخلَّيْتَ عني، وأَوقعتني في
- فخاخ السؤال: لماذا خلقت البعوضإلهي إلهي؟
- وأَمشي بلا موعدٍ، خالياً منوعود غدي. أَتذكِّرُ أني نسيتُ،
- وأنسى كما أَتذكِّرُ:أنسى غراباً على غصن زيتونةٍ
- أتذكِّر يُقْعَةَ زيتٍ على الثوبِأنسى نداء الغزال إلى زَوْجِه
- أتذكِّرُ خط النمال على الرملِأنسى حنيني إلى نجمةٍ وقعتْ من يدي
- أتذكِّرُ فَرْوَ الثعالبِأنسى الطريق القديم إلى بيتنا
- أتذكِّرُ عاطفةً تشبه المندرينةَأنسى الكلامَ الذي قُلْتُهُ
- أتذكِّر ما لم أَقل بعدأنسى روايات جدي وسيفاً على حائطٍ
- أتذكِّر خوفي من النومِأنسى شفاهَ الفتاة التي امتلأت عنباً
- أتذكر رائحة الخسِّ بين الأصابعِأنسى البيوت التي َدوِّنت سيرتي
- أتذكر رَقْمَ الهُويِّةِأنسى حوادث كبرى وهزِّةَ أرض مدمِّرةً
- أتذكِّر تبغ أبي في الخزانةأَنسى دروب الرحيل إلى عَدَمٍ ناقصٍ
- أتذكر ضوء الكواكب في أطلس البدوأنسى أزيز الرصاص على قرية أَقفرت
- أتذكر صوت الجداجد في الحرشأَنسى كما أتذكر، أو أتذكر أني نسيت
- [ ولكننيأتذكر
- هذا النهار،نهار الثلاثاء
- والجوُّ صافٍ ]وأَمشي على شارع لا يؤدي إلى
- هدف . رُبَّما أرشدتني خُطَايَ إلىمقعد شاغر في الحديقة، أو
- أرشدتني إلى فكرة عن ضياع الحقيقةبين الجماليّ والواقعي. سأجلس وحدي
- كأني على موعد مع إحدى نساءالخيال. تخيِّلتُ أني انتظرت طويلاً،
- وأني ضجرت من الانتظار، وأني انفجرت:لماذا تأخِّرتِ؟ تكذب: كان الزحامُ
- شديداً على الجسر. فاهدأْ. سأهدأُحين تداعب شعري. سأََشعر أنَّ
- الحديقة غرفتنا والظلالَ ستائرُ[ إن لم يُغَنِّ الكناريُّ
- يا صاحبي لَكَ... فاعلمبأنك أفرطتَ في النوم
- إن لم يغنِّ الكناريُّ ]وتسأل: ماذا تقول؟
- أقول لها: لم يغنّ الكناريُّ ليهل تذكُّرتِني يا غريبةُ؟ هل أُشبه
- الشاعر الرعويَّ القديَم الذي توَّجَتْهُالنجومُ مليكاً على الليل، ثم تنازل
- عن عرشه حين أَرسلته راعياًللغيوم؟ تقول: وهل يشبه اليومُ أَمسِ،
- كأنك أَنتَ...[ هناك، على المقعد الخشبي المقابلِ
- بنتٌ يُفتٍّتُها الانتظاروتبكي،
- وتشرب كأس عصير...تُلمّع بلّور قلبي الصغير
- وتحمل عني عواطف هذا النهار ]وأسألها: كيف جئتِ؟
- تقول: أتيتُ مصادفةً. كنت أمشيعلى شارع لا يؤدي إلى هدفٍ.
- قلت: أمشي كأني على موعد...ربما أرشدتني خُطَايَ إلى مقعد شاغر
- في الحديقة، أو أرشدتني إلى فكرةعن ضياع الحقيقة بين الخياليِّ والواقعيّ
- وهل أنت تذكرني يا غريب؟وهل أُشبه امرأةً الأمس، تلك الصغيرةَ،
- ذات الضفيرةِ، والأغنيات القصيرةِعن حبنا بعد نوم طويل
- أقول: كأنَّكِ أنتِ..[ هناك فتىً يدخل الآن
- باب الحديقة،يحمل خمساً وعشرين زنبقةً
- للفتاة التي انتظرتهويحمل عني فُتُوَّة هذا النهار ]
- صغير هو القلب... قلبيكبير هو الحب... حُبيّ
- يسافر في الريح، يهبطُيفرطُ رُمَّانةًً، ثم يسقطُ
- في تيه عينين لوزيتينويصعد من فجر غمَّازتين
- وينسى طريق الرجوع إلى بيته واسمهصغير هو القلب... قلبي
- كبير هو الحب /..هل كان الذي كُنْتُهُ – هُو؟
- أم كان ذاك الذي لم أكنه –أَنا؟تقول: لماذا تحكُّ الغيومُ أَعالي الشجرْ؟
- أقول: لتلتصق الساقُ بالساقتحت رذاذ المطرْ
- تقول: لماذا تحملق بي قطَّة خائفةْ؟أقول: لكي توقفني العاصفةْ
- تقول: لماذا يحنُّ الغريب إلى أَمسِهِأَقول: ليعتمد الشعر فيه على نفِسهِ
- تقول: لماذا تصير السماءُ رماديَّة اللونعند العشيةْ؟
- أقول: لأنك لم تسكبي الماء في المزهريّْةتقول: لماذا تبالغ في السخريةْ؟
- أقول: لكي تأكل الأغنيةْقليلاً من الخبز ما بين حين وحين
- تقول: لماذا نحبّ، فنمشي على طُرُقٍ خاليةْ؟أقول: لنقهر الموت كثيرا بموت أَقلّ
- وننجو من الهاويةْتقول: لماذا حلمتُ بأني رأيت سُنوُنُوَّة ًفي يدي؟
- أقول: لأنك في حاجةٍ لأَحدْتقول: لماذا تذكِّرني بغد لا أراه
- معك؟أقول: لأنك إحدى صفات الأبدْ
- تقول: ستمضي إلى نَفَقِ الليل وحدكبعدي
- أقول: سأمضي إلى نفق الليل بعدكوحدي
- .. وأَمشي ثقيلاً ثقيلاً، كأني على موعدمع إحدى الخسارات. أَمشي وبي شاعر
- يستعدّ لراحته الأبديّةِ في ليل لندن.يا صاحبي في الطريق إلى الشام! لم نبلغ
- الشام بعد، تمهّل تمهّل، ولا تجعلالياسمينة ثكلى، ولا تمتحنّي، بمرثيَّة:
- كيف أحمل عبء القصيدةعنك وعني؟
- قصيدةُ من لا يُحبُّونَ وَصْفَ الضبابقصيدتُهُ
- معطفُ الغيم فوق الكنيسةمعطفُهُ
- سرّ قلبين يلتجئان إلى بََردىسرّهُ
- نخلة السومرية، أمِّ الأناشيدنخلتُهُ
- ومفاتيحُ قرطبةٍ في جنوب الضبابمفاتيحُهُ
- لايُذَيِّل أشعاره باُسمهفالفتاة الصغيرة تعرفُهُ
- إن أحسَّتْ بوخز الدبابيسوالملح في دمها.
- هو، مثلي، يطارده قلبُهُوأنا، مثله، لا أُذيّل باسمي الوصيَّة
- فالريح تعرف عنوان أهلي الجديدعلى سفح هاوية في جنوب البعيد
- وداعاً، صديقي، وداعاً وسلّم على الشام /لَستُ فتياً لأحمل نفسي
- على الكلمات، ولست فتيّاًلأكمل هذي القصيدةَ /
- أَمشي مع الضاد في الليل –تلك خصوصيتي اللغويةُ – أمشي
- مع الليل في الضاد كهلاً يحثّحصاناً عجوزاً على الطيران إلى برج
- إيفل. يا لغتي ساعديني على الاقتباسلأحتضن الكون. في داخلي شُرْفَةٌ لا
- يَمُرّ بها أَحَدٌ للتحيَّة. في خارجي عالملا يردُّ التحيُّة. يا لغتي! هل أكون
- أنا ما تكونين؟ أم أنت – يا لغتي –ما أكون؟ ويا لغتي دربيني على
- الاندماج الزفافيّ بين حروف الهجاءوأعضاء جسمي – أَكن سيّدأ لا صدى.
- دَثّريني بصوفك يا لغتي، ساعدينيعلى الاختلاف لكي أبلغ الائتلاف. لِدِيني
- أَلِدْك. أنا ابنك حيناً، وحيناً أبوكوأمك. إن كنتِ كنتُ، وإن كُنْتُ
- كنتِ. وسمّي الزمان الجديد بأسمائهالأجنبّيةِ يا لغتي، واستضيفي الغريب
- البعيد ونَثْرَ الحياة البسيطَ لينضجشعري. فَمَنْ – إن نطقتُ بما ليس
- شعراً – سيفهمني؟ من يكَلّمنيعن حنينٍ خفيِّ إلى زمن ضائع إن
- نطقتُ بما ليس شعراً؟ ومن – إننطقت بما ليس شعراً – سيعرف
- أرض الغريب؟سجا الليل، واكتمل الليل، فاُسْتَيقََظََتْ
- زهرةٌ للتنفس عند سياج الحديقة.قلتُ: سأشهد أنَي َما زلت حياً،
- ولو من بعيد. وأني حلمت بأن الذيكان يحلم، مثلي، أنا لا سواي...
- وكان نهاري، نهار الثلاثاء رحباً طويلاً،وليلي وجيزاً كفصلٍ قصيرٍ أُضيف
- إلى المسرحية بعد نزول الستارة. لكننيلن أُسيء إلى أحد...
- إن أضَفْتُ: وكان نهاراً جميلاً،كقصةِ حُبٍّ حقيقيةٍ في قطار سريع
- [إذا لم يغنِّ الكناريّيا صاحبي،
- لا تَلُمء غير نفسك.إن لم يُغَنِّ الكناريُّ
- يا صاحبي لَكَغنِّ له أَنت ... غَنِّ له]
المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.