قصيدة
أنت منذ الآن, أنت
محمود درويش · قافيتها غير موسومة · 58 بيتاً
- الكرملُ في مكانه السيّد ... ينظر من علٍ إلىالبحر. والبحر يتنهّد، موجةً موجةً، كامرأةٍ
- عاشقةٍ تغسل قدَمَيْ حبيبها المتكبّر!□
- كأني لم أذهب بعيداً. كأني عُدْتُ منزيارة قصيرة لوداع صديق مسافر، لأجد
- نفسي جالسة في انتظاري على مقعد حجريتحت شجرة تفاح.
- □كل ما كان منفى يعتذر، نيابةً عني،
- لكلّ ما لم يكن منفى!□
- الآن، الآن ... وراء كواليس المسرح،يأتي المخاض إلى عذراء في الثلاثين،
- وتلدني على مرأى من مهندسي الديكور،والمصوّرين!
- □جرت مياه كثيرة في الوديان والأنهار.
- ونبتت أعشاب كثيرة على الجدران. أمّاالنسيان فقد هاجر مع الطيور المهاجرة ...
- شمالاً شمالاً.□
- الزمن والتاريخ يتحالفان حيناً، ويتخاصمانحيناً على الحدود بينهما. الصفصافة العالية
- لا تأبه ولا تكترث. فهي واقفة علىقارعة الطريق.
- □أمشي خفيفاً لئلاً أكسر هشاشتي. وأمشي
- ثقيلاً لئلاً أطير. وفي الحالين تحمينيالأرض من التلاشي في ما ليس من صفاتها!
- □في أعماقي موسيقى خفيّة، أخشى عليها
- من العزف المنفرد.□
- ارتكبتُ من الأخطاء ما يدفعني، لإصلاحها،إلى العمل الإضافيّ في مُسَوّدة الإيمان
- بالمستقبل. من لم يخطىء في الماضي لايحتاج إلى هذا الإيمان.
- □جبل وبحر وفضاء. أطير وأسبح، كأني
- طائرٌ جوّ – مائيّ. كأني شاعر!□
- كلّ نثر هنا شعر أوليّ محروم من صنعة الماهر.وكلّ شعر، هنا، نثر في متناول المارة.
- □بكلّ ما أوتيتُ من فرح، أخفي دمعتي
- عن أوتار العود المتربّص بحشرجتي، والمتلصّصعلى شهوات الفتيات.
- □الخاص عام. والعام خاص ... حتى إشعار
- آخر، بعيد عن الحاضر وعن قصد القصيدة!□
- حيفا! يحقّ للغرباء أن يحبّوك، وأن ينافسونيعلى ما فيك، وأن ينسوا بلادهم في
- نواحيك، من فرط ما أنت حمامة تبني عُشّهاعلى أنف غزال!
- □أنا هنا. وما عدا ذلك شائعة ونميمة!
- □يا للزمن! طبيب العاطفيين .. كيف يحوّل
- الجرح ندبة، ويحوّل الندبة حَبّة سمسم.أنظر إلى الوراء، فأراني أركض تحت المطر. هنا،
- وهنا، وهنا. هل كنتُ سعيداً دون أن أدري؟□
- هي المسافة: تمرين البصر على أعمال البصيرة،وصقل الحديد بناي بعيد.
- □جمال الطبيعة يهذب الطبائع، ما عدا طبائع مَنْ
- لم يكن جزءاً منها. الكرمل سلام. والبندقية نشاز.□
- على غير هُدىً أمشي. لا أبحث عن شيء. لاأبحث حتى عن نفسي في كل هذا الضوء.
- □حيفا في الليل ... انصراف الحواس إلى أشغالها
- السرية، بمنأى عن أصحابها الساهرين على الشرفات.□
- يا للبداهة! قاهرة المعدن والبرهان!□
- أداري نُقّادي، وأداوي جراح حُسّادي علىحبّ بلادي ... بزِحافٍ خفيف، وباستعارة
- حَمّالة أوجُه!□
- لم أرَ جنرالاً لأسأله: في أيّ عامٍ قتلتَني؟لكني رأيتُ جنوداً يكرعون البيرة على الأرصفة.
- وينتظرون انتهاء الحرب القادمة، ليذهبوا إلىالجامعة لدراسة الشِعر العربيّ الذي كتبه موتى
- لم يموتوا. وأنا واحد منهم!□
- خُيّل لي أن خُطاي السابقة على الكرمل هيالتي تقودني إلى "حديقة الأم"، وأن
- التكرار رجعُ الصدى في أغنية عاطفيّة لم تكتمل،من فرط ما هي عطشى إلى نقصان متجدّد!
- □لا ضباب. صنوبرة على الكرمل تناجي أرزة
- على جبل لبنان: مساء الخير يا أختي!□
- في قلبي منطقة ما، غيرُ مأهولة، تُرحّبُبالصغار الباحثين عن حيّز غير محتلّ، لنصب
- مُخيّم صيفيّ!□
- أعبُرُ من شارع واسع إلى جدار سجنيالقديم، وأقول: سلاماً يا مُعلّمي الأول في
- فقه الحرية. كنتَ على حق: فلم يكن الشعربريئاً!
- □هل قال أحدهم: إن سيد الكلمات هو سيد
- المكان؟ ليس هذا زهواً ولا لهواً. إنه أسلوبالشاعر في الدفاع عن جدوى الكلمات، وعن
- ثبات المكان في لغة متحركة!□
- لرائحة الشجر الصيفية نكهة إيروسية. هناتداخلتُ في العشب والزغب والنمَش وسواه،
- تحت ضوء القمر!□
- حيفا تقول لي: أنت، منذ الآن، أنت!
المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.