قصيدة
في الخطابة والخطيب
محمود درويش · قافيتها غير موسومة · 18 بيتاً
- الخطابة, في معظمها الآن هي فنّ ابتذالالمهارة. طبل يناجي طبلاً في ساحة كلما
- اتسعت, وجد الصوت متسعاً لامتلاءالصدى بضجيج الفراغ. يتلقفه الخطيب
- ليحشوه بمزيد من هباء المعنى. الصوت,لا الكلام , هو السيد مرفوعاً على صدى
- تحميه الأكف من خطر السقوط على الحقيقة.الخطابة ليست ما يريد الخطيب ــ المهرج قوله,
- فالصوت يسبق القول الغائب, والخطبةهي الغاية ... هي ما ترتجله الغريزة
- من حماسة الفتك بالخصم, وما يعجبمشاهدي مصارعة الثيران الساديين من
- نصال فارس بلا فروسية. الخطابة هيإعدام المعنى في ساحة عامة. المبتدأ يبدأ
- بعد استراحة الصوت القصيرة لارتشاف جرعةماء. أما الخبر المتأخر فهو متروك للارتجال
- المتبخر الذي تسنده آية قرآنية أخرجتمن سياقها, أو بيت شعر قاله شاعر في
- مدح أمير أمويّ ظنه الخطيب عباسياً, فأثارالتصفيق. التصفيق هو المبتغى والقصد,
- يستعيد خلاله الخطيب اللاأفكار القادمة عليهمن المشهد, فيبتسم كمن يكافئ جمهوره
- على حسن ظنهم بذكائهم المكتسب من فائضذكائه, ويمنحهم نكتة تنوس بين الفكاهة
- والتفاهة, فيضحكون ويضحك. الخطابة هيتأليب الضجر على الضجر ببلاغة الشكوى مما
- لحق بالأمة من خطر الضجر. يخلع الخطيبمعطفه ليدل الجمهور على موضع ضميره الحي.
- يضع يده في جيب بنطاله بحثاً عن فكرة,ويتحرك يميناً ويساراً لأنه حائر في تمايز
- القوم. فإن كانوا يمينيين صدقوه, وإن كانوايساريين صدقوه. ثم يعود إلى منزلة بين
- المنزلتين. ولا يكف عن ترديد كلمة: صدقوني!الخطابة هي الكفاءة العالية في رفع الكذب
- إلى مرتبة الطرب. وفي الخطابة يكون "الصدقزلة لسان"
المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.