قصيدة
البيت قتيلا
محمود درويش · قافيتها غير موسومة · 17 بيتاً
- بدقيقة واحدة ، تنتهي حياةُ بيتٍ كاملة. البيتُقتيلاً هو أيضاً قَتْلٌ جماعيّ حتى لو خلا من
- سُكَّانه. مقبرة جماعية للموادّ الأولية الـمُعَدَّةِلبناء مبني للمعني ، أو قصيدةٍ غير ذات
- شأن في زمن الحرب. البيت قتيلاً هوبَتْرُ الأشياء عن علاقاتها وعن أسماء
- المشاعر. وحاجةُ التراجيديا إلي تصويبالبلاغة نحو التَّبَصُّر في حياة الشيء. في
- كل شيء كائنٌ يتوجَّع... ذكري أَصابعوذكري رائحة وذكري صورة. والبيوت تُقْتَلُ
- كما يُقْتَلُ سكانها. وتُقْتَلُ ذاكرةُ الأشياء :الحجر والخشب والزجاج والحديد والإسمنتُ
- تتناثر أشلاء كالكائنات. والقطن والحريروالكتّان والدفاتر والكتب تتمزّق كالكلمات التي
- لم يتسَنَّ لأصحابها أن يقولوها. وتتكسَّرالصحون والملاعق والألعاب والاسطوانات والحنفيّات
- والأنابيب ومقابض الأبواب والثلاّجة والغسَّالةوالمزهريات ومرطبانات الزيتون والمخللات والمعلبات
- كما انكسر أصحابها. ويُسحق الأبْيَضَان الملحوالسُّكَّر، والبهارات وعلب الكبريت وأقراص الدواء
- وحبوب منع الحمل والعقاقير الـمُنَشطة وجدائلالثوم والبصل والبندورة والبامية الـمُجَفَّفة والأرُزُّ
- والعدس ، كما يحدث لأصحابها. وتتمزَّق عقودالإيجار ووثيقة الزواج وشهادة الميلاد وفاتورة
- الماء والكهرباء وبطاقات الهوية وجوازات السفروالرسائل الغرامية ، كما تتمزّق قلوب أَصحابها.
- وتتطاير الصُّوَر وفُرَشُ الأسنان وأمشاطالشَّعْر وأدوات الزينة والأحذية والثياب
- الداخلية والشراشف والمناشف كأسرار عائليةتُنْشَرُ على الملأ والخراب. كل هذه الأشياء
- ذاكرةُ الناس التي أُفْرِغَتْ من الأشياء ، وذاكرةالأشياء التي أُفْرِغَتْ من الناس... تنتهي
- بدقيقة واحدة. أشياؤنا تموت مثلنا. لكنهالا تُدْفَنْ معنا !
المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.