قصيدة
متى يعلنون وفاة العرب
نزار قباني · قافيتها غير موسومة · 81 بيتاً
- 1أحاول منذ الطفولة رسم بلادٍ
- تسمى مجازا بلاد العربتسامحني إن كسرت زجاج القمر...
- وتشكرني إن كتبت قصيدة حبٍوتسمح لي أن أمارس فعل الهوى
- ككل العصافير فوق الشجر...أحاول رسم بلادٍ
- تعلمني أن أكون على مستوى العشق دومافأفرش تحتك ، صيفا ، عباءة حبي
- وأعصر ثوبك عند هطول المطر...2
- أحاول رسم بلادٍ...لها برلمانٌ من الياسمين.
- وشعبٌ رقيق من الياسمين.تنام حمائمها فوق رأسي.
- وتبكي مآذنها في عيوني.أحاول رسم بلادٍ تكون صديقة شعري.
- ولا تتدخل بيني وبين ظنوني.ولا يتجول فيها العساكر فوق جبيني.
- أحاول رسم بلادٍ...تكافئني إن كتبت قصيدة شعرٍ
- وتصفح عني ، إذا فاض نهر جنوني3
- أحاول رسم مدينة حبٍ...تكون محررةً من جميع العقد...
- فلايذبحون الأنوثة فيها...ولايقمعون الجسد...4
- رحلت جنوبا...رحلت شمالا...ولافائده...
- فقهوة كل المقاهي ، لها نكهةٌ واحده...وكل النساء لهن إذا ما تعرين
- رائحةٌ واحده...وكل رجال القبيلة لايمضغون الطعام
- ويلتهمون النساء بثانيةٍ واحده.5
- أحاول منذ البدايات...أن لاأكون شبيها بأي أحد...
- رفضت الكلام المعلب دوما.رفضت عبادة أي وثن...
- 6أحاول إحراق كل النصوص التي أرتديها.
- فبعض القصائد قبرٌ،وبعض اللغات كفن.
- وواعدت آخر أنثى...ولكنني جئت بعد مرور الزمن...
- 7أحاول أن أتبرأ من مفرداتي
- ومن لعنة المبتدا والخبر...وأنفض عني غباري.
- وأغسل وجهي بماء المطر...أحاول من سلطة الرمل أن أستقيل...
- وداعا قريشٌ...وداعا كليبٌ...
- وداعا مضر...8
- أحاول رسم بلادٍتسمى مجازا بلاد العرب
- سريري بها ثابتٌورأسي بها ثابتٌ
- لكي أعرف الفرق بين البلاد وبين السفن...ولكنهم...أخذوا علبة الرسم مني.
- ولم يسمحوا لي بتصوير وجه الوطن...9
- أحاول منذ الطفولةفتح فضاءٍ من الياسمين
- وأسست أول فندق حبٍ...بتاريخ كل العرب...ليستقبل العاشقين...
- وألغيت كل الحروب القديمة...بين الرجال...وبين النساء...
- وبين الحمام...ومن يذبحون الحمام...وبين الرخام ومن يجرحون بياض الرخام...
- ولكنهم...أغلقوا فندقي...وقالوا بأن الهوى لايليق بماضي العرب...
- وطهر العرب...وإرث العرب...
- فيا للعجب!!10
- أحاول أن أتصور ما هو شكل الوطن؟أحاول أن أستعيد مكاني في بطن أمي
- وأسبح ضد مياه الزمن...وأسرق تينا ، ولوزا ، و خوخا،
- وأركض مثل العصافير خلف السفن.أحاول أن أتخيل جنة عدنٍ
- وكيف سأقضي الإجازة بين نهور العقيق...وبين نهور اللبن...
- وحين أفقت...اكتشفت هشاشة حلميفلا قمرٌ في سماء أريحا...
- ولا سمكٌ في مياه الفراط...ولا قهوةٌ في عدن...
- 11أحاول بالشعر...أن أمسك المستحيل...
- وأزرع نخلا...ولكنهم في بلادي ، يقصون شعر النخيل...
- أحاول أن أجعل الخيل أعلى صهيلاولكن أهل المدينةيحتقرون الصهيل!!
- 12أحاول سيدتي أن أحبك...
- خارج كل الطقوس...وخارج كل النصوص...
- وخارج كل الشرائع والأنظمهأحاول سيدتي أن أحبك...
- في أي منفى ذهبت إليه...لأشعر حين أضمك يوما لصدري
- بأني أضم تراب الوطن...13
- أحاول مذ كنت طفلا، قراءة أي كتابٍتحدث عن أنبياء العرب.
- وعن حكماء العرب... وعن شعراء العرب...فلم أر إلا قصائد تلحس رجل الخليفة
- من أجل جفنة رزٍ... وخمسين درهم...فيا للعجب!!
- ولم أر إلا قبائل ليست تفرق ما بين لحم النساء...وبين الرطب...
- فيا للعجب!!ولم أر إلا جرائد تخلع أثوابها الداخليه...
- لأي رئيسٍ من الغيب يأتي...وأي عقيدٍ على جثة الشعب يمشي...
- وأي مرابٍ يكدس في راحتيه الذهب...فيا للعجب!!
- 14أنا منذ خمسين عاما،
- أراقب حال العرب.وهم يرعدون، ولايمطرون...
- وهم يدخلون الحروب، ولايخرجون...وهم يعلكون جلود البلاغة علكا
- ولا يهضمون...15
- أنا منذ خمسين عاماأحاول رسم بلادٍ
- تسمى مجازا بلاد العربرسمت بلون الشرايين حينا
- وحينا رسمت بلون الغضب.وحين انتهى الرسم، ساءلت نفسي:
- إذا أعلنوا ذات يومٍ وفاة العرب...ففي أي مقبرةٍ يدفنون؟
- ومن سوف يبكي عليهم؟وليس لديهم بناتٌ...
- وليس لديهم بنون...وليس هنالك حزنٌ،
- وليس هنالك من يحزنون!!16
- أحاول منذ بدأت كتابة شعريقياس المسافة بيني وبين جدودي العرب.
- رأيت جيوشا...ولا من جيوش...رأيت فتوحا...ولا من فتوح...
- وتابعت كل الحروب على شاشة التلفزه...فقتلى على شاشة التلفزه...
- وجرحى على شاشة التلفزه...ونصرٌ من الله يأتي إلينا...على شاشة التلفزه...
- 17أيا وطني: جعلوك مسلسل رعبٍ
- نتابع أحداثه في المساء.فكيف نراك إذا قطعوا الكهرباء؟؟
- 18أنا...بعد خمسين عاما
- أحاول تسجيل ما قد رأيت...رأيت شعوبا تظن بأن رجال المباحث
- أمرٌ من الله...مثل الصداع...ومثل الزكام...ومثل الجذام...ومثل الجرب...
- رأيت العروبة معروضةً في مزاد الأثاث القديم...ولكنني...ما رأيت العرب !!
المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.