قصيدة
خمس رسائل إلى أمي
نزار قباني · قافيتها غير موسومة · 55 بيتاً
- صباح الخير يا حلوه..صباح الخير يا قديستي الحلوه
- مضى عامان يا أميعلى الولد الذي أبحر
- برحلته الخرافيهوخبأ في حقائبه
- صباح بلاده الأخضروأنجمها، وأنهرها، وكل شقيقها الأحمر
- وخبأ في ملابسهطرابيناً من النعناع والزعتر
- وليلكةً دمشقية..أنا وحدي..
- دخان سجائري يضجرومني مقعدي يضجر
- وأحزاني عصافيرٌ..تفتش –بعد- عن بيدر
- عرفت نساء أوروبا..عرفت عواطف الإسمنت والخشب
- عرفت حضارة التعب..وطفت الهند، طفت السند، طفت العالم الأصفر
- ولم أعثر..على امرأةٍ تمشط شعري الأشقر
- وتحمل في حقيبتها..إلي عرائس السكر
- وتكسوني إذا أعرىوتنشلني إذا أعثر
- أيا أمي..أيا أمي..
- أنا الولد الذي أبحرولا زالت بخاطره
- تعيش عروسة السكرفكيف.. فكيف يا أمي
- غدوت أباً..ولم أكبر؟
- صباح الخير من مدريدما أخبارها الفلة؟
- بها أوصيك يا أماه..تلك الطفلة الطفله
- فقد كانت أحب حبيبةٍ لأبي..يدللها كطفلته
- ويدعوها إلى فنجان قهوتهويسقيها..
- ويطعمها..ويغمرها برحمته..
- .. ومات أبيولا زالت تعيش بحلم عودته
- وتبحث عنه في أرجاء غرفتهوتسأل عن عباءته..
- وتسأل عن جريدته..وتسأل –حين يأتي الصيف-
- عن فيروز عينيه..لتنثر فوق كفيه..
- دنانيراً من الذهب..سلاماتٌ..
- سلاماتٌ..إلى بيتٍ سقانا الحب والرحمة
- إلى أزهارك البيضاء.. فرحة "ساحة النجمة"إلى تختي..
- إلى كتبي..إلى أطفال حارتنا..
- وحيطانٍ ملأناها..بفوضى من كتابتنا..
- إلى قططٍ كسولاتٍتنام على مشارقنا
- وليلكةٍ معرشةٍعلى شباك جارتنا
- مضى عامان.. يا أميووجه دمشق،
- عصفورٌ يخربش في جوانحنايعض على ستائرنا..
- وينقرنا..برفقٍ من أصابعنا..
- مضى عامان يا أميوليل دمشق
- فل دمشقدور دمشق
- تسكن في خواطرنامآذنها.. تضيء على مراكبنا
- كأن مآذن الأموي..قد زرعت بداخلنا..
- كأن مشاتل التفاح..تعبق في ضمائرنا
- كأن الضوء، والأحجارجاءت كلها معنا..
- أتى أيلول يا أماه..وجاء الحزن يحمل لي هداياه
- ويترك عند نافذتيمدامعه وشكواه
- أتى أيلول.. أين دمشق؟أين أبي وعيناه
- وأين حرير نظرته؟وأين عبير قهوته؟
- سقى الرحمن مثواه..وأين رحاب منزلنا الكبير..
- وأين نعماه؟وأين مدارج الشمشير..
- تضحك في زواياهوأين طفولتي فيه؟
- أجرجر ذيل قطتهوآكل من عريشته
- وأقطف من بنفشاهدمشق، دمشق..
- يا شعراًعلى حدقات أعيننا كتبناه
- ويا طفلاً جميلاً..من ضفائره صلبناه
- جثونا عند ركبته..وذبنا في محبته
- إلى أن في محبتنا قتلناه...
المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.