قصيدة
المهرولون
نزار قباني · قافيتها غير موسومة · 72 بيتاً
- 1سقطت آخر جدران الحياء.
- و فرحنا.. و رقصنا..و تباركنا بتوقيع سلام الجبناء
- لم يعد يرعبنا شيئٌ..و لا يخجلنا شيئٌ..
- فقد يبست فينا عروق الكبرياء…2
- سقطت..للمرة الخمسين عذريتنا..دون أن نهتز.. أو نصرخ..
- أو يرعبنا مرأى الدماء..و دخلنا في زمان الهرولة..
- و و قفنا بالطوابير, كأغنامٍ أمام المقصلة.و ركضنا.. و لهثنا..
- و تسابقنا لتقبيل حذاء القتلة..3
- جوعوا أطفالنا خمسين عاماً.و رموا في آخر الصوم إلينا..
- بصلة...4
- سقطت غرناطةٌللمرة الخمسين من أيدي العرب.
- سقط التاريخ من أيدي العرب.سقطت أعمدة الروح, و أفخاذ القبيلة.
- سقطت كل مواويل البطولة.سقطت كل مواويل البطولة.
- سقطت إشبيلة.سقطت أنطاكيه..
- سقطت حطين من غير قتالً..سقطت عمورية..
- سقطت مريم في أيدي الميليشياتفما من رجلٍ ينقذ الرمز السماوي
- و لا ثم رجولة...5
- سقطت آخر محظياتنافي يد الروم, فعن ماذا ندافع؟
- لم يعد في قصرنا جاريةٌ واحدةٌتصنع القهوة و الجنس..
- فعن ماذا ندافع؟؟6
- لم يعد في يدناأندلسٌ واحدةٌ نملكها..
- سرقوا الابوابو الحيطان و الزوجات, و الأولاد,
- و الزيتون, و الزيتو أحجار الشوارع.
- سرقوا عيسى بن مريمو هو ما زال رضيعاً..
- سرقوا ذاكرة الليمون..و المشمش.. و النعناع منا..
- و قناديل الجوامع...7
- تركوا علبة سردينٍ بأيديناتسمى (غزةً)..
- عظمةً يابسةً تدعى (أريحا)..فندقاً يدعى فلسطين..
- بلا سقفٍ لا أعمدةٍ..تركونا جسداً دون عظامٍ
- و يداً دون أصابع...8
- لم يعد ثمة أطلال لكي نبكي عليها.كيف تبكي أمةٌ
- أخذوا منها المدامع؟؟9
- بعد هذا الغزل السري في أوسلوخرجنا عاقرين..
- وهبونا وطناً أصغر من حبة قمحٍ..وطناً نبلعه من غير ماءٍ
- كحبوب الأسبرين!!..10
- بعد خمسين سنة..نجلس الآن, على الأرض الخراب..
- ما لنا مأوىكآلاف الكلاب!!.
- 11بعد خمسين سنة
- ما وجدنا وطناً نسكنه إلا السراب..ليس صلحاً,
- ذلك الصلح الذي أدخل كالخنجر فينا..إنه فعل إغتصاب!!..
- 12ما تفيد الهرولة؟
- ما تفيد الهرولة؟عندما يبقى ضمير الشعب حياً
- كفتيل القنبلة..لن تساوي كل توقيعات أوسلو..
- خردلة!!..13
- كم حلمنا بسلامٍ أخضرٍ..و هلالٍ أبيضٍ..
- و ببحرٍ أزرقٍ.. و قلوع مرسلة..و وجدنا فجأة أنفسنا.. في مزبلة!!.
- 14من ترى يسألهم عن سلام الجبناء؟
- لا سلام الأقوياء القادرين.من ترى يسألهم
- عن سلام البيع بالتقسيط..و التأجير بالتقسيط..
- و الصفقات..و التجار و المستثمرين؟.
- من ترى يسألهمعن سلام الميتين؟
- أسكتوا الشارعو اغتالوا جميع الأسئلة..
- و جميع السائلين...15
- ... و تزوجنا بلا حبٍ..من الأنثى التي ذات يومٍ أكلت أولادنا..
- مضغت أكبادنا..و أخذناها إلى شهر العسل..
- و سكرنا.. و رقصنا..و استعدنا كل ما نحفظ من شعر الغزل..
- ثم أنجبنا, لسوء الحظ, أولاد معاقينلهم شكل الضفادع..
- و تشردنا على أرصفة الحزن,فلا ثمة بلدٍ نحضنه..
- أو من ولد!!16
- لم يكن في العرس رقصٌ عربي.ٌأو طعامٌ عربي.ٌ
- أو غناءٌ عربي.ٌأو حياء عربي.ٌ ٌ
- فلقد غاب عن الزفة أولاد البلد..17
- كان نصف المهر بالدولار..كان الخاتم الماسي بالدولار..
- كانت أجرة المأذون بالدولار..و الكعكة كانت هبةً من أمريكا..
- و غطاء العرس, و الأزهار, و الشمع,و موسيقى المارينز..
- كلها قد صنعت في أمريكا!!.18
- و انتهى العرس..و لم تحضر فلسطين الفرح.
- بل رأت صورتها مبثوثةً عبر كل الأقنية..و رأت دمعتها تعبر أمواج المحيط..
- نحو شيكاغو.. و جيرسي..و ميامي..و هي مثل الطائر المذبوح تصرخ:
- ليس هذا الثوب ثوبي..ليس هذا العار عاري..
- أبداً..يا أمريكا..أبداً..يا أمريكا..
- أبداً..يا أمريكا..
المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.