قصيدة
الطيران فوق سطح العالم
نزار قباني · قافيتها غير موسومة · 59 بيتاً
- 1قررت نهائياً.. أن أتفرغ لك..
- فليس هناك قضيةٌتستحق أن يموت الإنسان من أجلها
- إلا حبك..ولا محطةٌ تستحق الوقوف فيها
- إلا محطة شعرك الليليوليس هناك أيديولوجية متكاملة
- أكثر إقناعاً من تقاطيع وجهك..وليس هناك مكانٌ للانتحار
- أعلى من ذروة نهديك..لقد جربت كل الأعمال اليدويه
- من رسمٍ على الزجاج..وحفرٍ على الخشب
- واستنفدت جميع امكانيات الصلصال والسيراميكفلم أكتشف آنيةً خزفيةً
- أكثر تناسقاً من جسدكوأصغيت إلى عشرات التنويعات على البيانو
- فلم أستمع إلى معزوفةٍأحسن تأليفاً من أصابعك...
- 3أن أتخلى عن جواز سفري
- وأصبح واحداً من رعاياك.قررت نهائياً..
- أن أتعلق بأية سحابةٍهاربةٍ مع أطفالها باتجاه البحر
- فلم يعد لي وطنٌ ألتجئ إليه..سوى سواحل يديك..
- أنت الوطن الأخير الباقي على خريطة الحريهأنت الوطن الأخير الذي أطعمني من جوعٍ..
- وآمنني من خوف..وكل الأوطان الأخرى.. أوطانٌ كاريكاتوريه
- كرسوم والت ديزني..أو بوليسية...
- كمؤلفات آغاتا كريستي..أنت آخر سنبله..
- وآخر قمر..وآخر حمامه..
- وآخر غمامهوآخر مركبٍ أتعلق به..
- قبل وصول التتار....*
- أنت آخر وردةٍ أشمهاقبل أن ينتهي زمن الورد..
- وآخر كتابٍ أقرؤه..قبل أن تحترق كل المكتبات
- وآخر كلمةٍ أكتبهاقبل أن يأتي زوار الفجر
- وآخر علاقةٍ أقيمها مع امرأهقبل أن تصبح الأنوثه
- كلمةً نفتش عنها بالعدسات المكبرهفي المعاجم والموسوعات....
- 4قررت أن أذهب معك..
- وآخر نقطةٍ من دمي...إنني مشتاقٌ إلى الجزر التي لا تتعامل مع الوقت
- ولا تقرأ الجرائد اليوميهلم يعد عندي أي متاعٍ يؤسف عليه...
- فلحمي.. أكلته الأسماك بين بيروت ولارنكاووطني..
- نشلوه من جيبي قبل أن أصعد إلى ظهرالسفينه...
- وتذكرة هويتي...عليها صورة رجلٍ آخر..
- كان يشبهني قبل خمسين عاماً..ماذا تنتظرين كي تفتحي قلوع شعرك الأسود؟؟
- إن رائحة الملح والتوتياء في الميناءتخترقني كسيفٍ معدني
- فلماذا لا تفتحين واحداً من شرايينك لإيوائي؟أنا الذي فتحت جميع شراييني..
- لاستقبالك...5
- لم يعد عندي أسئلةٌ أطرحهافأنت والبحر..
- لم يعد عندي ارتباطاتٌ بأي حجر...أو بأية شجره
- أو بأية رائحه..أو بأية خزانة ملابس..
- فكل ما تبقى لي..هو سروال الجينز الأزرق الذي ألبسه.
- والذي كان رفيق تسكعي..ورفيق السفر.. والمنفى، والمقاهي،
- والقطارات،وبواخر الشحن، والدوار، والليل، والبراندي،
- والجنس، والصراخ العصبي في دهاليز الجنون.كل ما تبقى لي...
- هو هذا الجينز التاريخي..المغطى بالطعنات.. وفتات الخبز..
- وفتات الجنس.. وفتات صرخاتي ودموعي..والذي صار المتحف القومي لمشاعري..
- والمفكرة التي أسجل عليها مواعيد الإقلاع..والرسو.. ومواعيد الغيبوبة والكحول
- وصار، بعد سقوط كل الأوطان..وطني...
- 6لن أعود إلى حماقاتي السابقه..
- ولن أسألك إلى أين؟إن الجغرافيا لم تعد عندي ذات موضوع
- العالم.والمسافة بين ولادتي وموتي تحسب
- بالسنتيمرات.لن أسألك إلى أين؟
- المهم.. أن تنتزعيني من ذاكرتيومن أوراق الرزنامة العربية..
- وترميني على ظهر سفينةٍلا ترفع علم أي دوله....
- فأنا لم أعد مكترثاً بالممالك.. ولابالجمهوريات..
- إن زجاجة البراندي..هي الجمهورية الأكثر عدلاً وأماناً في التاريخ..
- فاغسلي قدميك بمائها المقدسفهذه فرصتنا الوحيده..
- للطيران فوق سطح العالم....إن زجاجة البراندي..
- هي الجمهورية الأكثر عدلاً وأماناً في التاريخ..فاغسلي قدميك بمائها المقدس
- فهذه فرصتنا الوحيده..للطيران فوق سطح العالم....
المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.