قصيدة
أظل الوجود المساء الحزين
العنوان هو المطلع.
أبو القاسم الشابي · قافيتها غير موسومة · 45 بيتاً
- أَظَلَّ الوُجُودَ المساءُ الحزينُوفي كفِّهِ معْزَفٌ لا يُبينْ
- وفي ثَغرهِ بَسَماتُ الشُّجونِوفي طَرفِهِ حَسَراتُ السِّنينْ
- وفي صدرِهِ لوعةٌ لا تَقِرُّوفي قلبِهِ صَعَقَاتُ المَنونْ
- وقبَّلَهُ قُبَلاً صامِتاتٍ كمايَلْثُمُ الموتُ وَرْدَ الغُصُون
- وأَفضى إليه بوحْيِ النُّجُومِوسِرِّ الظَّلامِ ولَحْنِ السُّكونْ
- وأَوْحى إليه مَزامِيرَهُفغنَّتْ بها في الظَّلامِ الحُزُونْ
- وعَلَّمَهُ كيفَ تأسى النُّفوسُويَقضي يَؤوساً لديها الحَنينْ
- وأَسْمَعَهُ صَرَخاتِ القُلُوبِوأَنْهَلَهُ مِنْ سُلافِ الشُّؤونْ
- فأَغفى على صدرِهِ المطمَئِنِّوفي روحِهِ حُلُمٌ مُسْتَكينْ
- قويٌّ غَلُوبٌ كسِحْرِ الجُفُونِشجيٌّ لَعوبٌ كزهرٍ حَزينْ
- ضَحوكٌ وقد بلَّلتهُ الدُّموعُطَرُوبٌ وقد ظَلَّلَتْهُ الشُّجُونْ
- تعانِقُهُ سَكَراتُ الهَوَىوتحضُنُهُ شَهَقَاتُ الأَنينْ
- يُشابِهُ روحَ الشَّبابِ الجميلِإِذا مَا تأَلَّقَ بَيْنَ الجُّفونْ
- أَعادَ لنفسي خَيالاً جميلاًلَقَدْ حَجَبَتْهُ صُرُوفُ السِّنينْ
- فَطَافَتْ بها هَجَسَاتُ الأَسىوعادَتْ لها خُطُواتُ الجُنُونْ
- أَظَلَّ الفضاءَ جناحُ الغروبِفأَلقى عليهِ جمالاً كَئيبْ
- وأَلبَسَهُ حُلَّةً من جَلالٍ شجيٍّقويٍّ جميلٍ غَلُوبْ
- فنامَتْ على العُشْبِ تِلْكَ الزُّهُورُلمرأَى المساءِ الحزينِ الرَّهيبْ
- وآبَتْ طيورُ الفضاءِ الجميلِلأوكارِها فرِحاتِ القُلُوبْ
- وقدْ أَضمرَتْ بأَغاريدهاخيالَ السَّماءِ الفسيح الرَّحيبْ
- وَوَلَّى رُعاةُ السَّوامِ إلى الحيِّيُزْجُونها في صُماتِ الغُروبْ
- فتَثْغُو حنيناً لحِمْلانِهاوتقطفُ زهرَ المُروجِ الخَصيبْ
- وهمْ يُنشِدونَ أَهازيجَهمْ بصوتٍبهيجٍ فَرُوحٍ طَرُوبْ
- ويَسْتَمْنِحونَ مزاميرهمفتمنحُهُمْ كُلَّ لحنٍ عجيبْ
- تطيرُ بهِ نَسَماتُ الغروبِإلى الشَّفقِ المُسْتَطيرِ الخَلُوبْ
- وتوحي لهم نَظَرَاتُ الصَّباياأَناشيدَ عهدِ الشَّبابِ الرَّطيبْ
- وأَقْبَلَ كُلٌّ إلى أهلِهِسِوَى أملي المستطارِ الغَريبْ
- فقد تاهَ في مَعْسَباتِ الحَيَاةوسُدَّتْ عليه مناجي الدُّروبْ
- وظلَّ شَريداً وحيداً بعيداًيُغالبُ عُنْفَ الحَيَاةِ العَصيبْ
- وقد كانَ مِنْ قبلُ ذا غبطةٍيُرفرفُ حولَ فؤادي الخَصيبْ
- ولمَّا أَظلَّ المَساءُ السَّماءَوأسكَرَ بالحُزْنِ روحَ الوُجُودْ
- وقفتُ وساءلتُهُ هل يَؤوبُ لقلبيرَبيعُ الحَيَاةِ الشَّرودْ
- فَتَخْفُقُ فيه أَغاني الورودِويخضرُّ فِرْدَوْسُ نفسي الحَصيدْ
- وتختالُ فيهِ عَروسُ الصَّباحِوتمرَحُ نَشْوَى بذاكَ النَّشيدْ
- ويَرجعُ لي مِنْ عِراصِ الجحيمِسلامُ الفؤادِ الجميلُ العهيدْ
- فقد كبَّلَتْهُ بَناتُ الظَّلامِوأَلقيْنَهُ في ظلامِ اللُّحودْ
- فأَصْغى إلى لَهَفي المستمرِّوخاطَبَني مِنْ مكانٍ بعيدْ
- تَعودُ ادِّكاراتُ ذاكَ الهَوَىولكنَّ سِحْرَ الهَوَى لا يَعودْ
- فجَاشَتْ بنفس مآسي الحَيَاةِوسخطُ القُنُوطِ القويِّ المُريدْ
- ولمَّا طَغَتْ عَصَفاتُ القُنُوطفمادتْ بكلِّ مَكِينٍ عَتيدْ
- أَهَبْتُ بقلبي الهلوعِ الجزوعِوكانَ مِنْ قبلُ جَلْداً شَديدْ
- تجلَّدْ ولا تَسْتَكِنْ للَّياليفما فازَ إلاَّ الصَّبورُ الجَليدْ
- ولا تَأْسَ مِنْ حادِثاتِ الدُّهُورِفخَلْفَ الدَّياجيرِ فَجْرٌ جَديدْ
- ولولا غيومُ الشِّتاءِ الغِضابُلما نَضَّدَ الرَّوضُ تِلْكَ الوُرودْ
- ولولا ظَلامُ الحَيَاةِ العَبُوسُلما نَسَجَ الصُّبْحُ تِلْكَ البُرُودْ
المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.