قصيدة
بيت بنته لي الحياة من الشذى
العنوان هو المطلع.
أبو القاسم الشابي · قافيتها غير موسومة · 70 بيتاً
- بيتٌ بَنَتْهُ ليَ الحَيَاةُ من الشَّذَىوالظِّلِّ والأَضواءِ والأَنغامِ
- بيتٌ من السِّحْرِ الجميلِ مشَيَّدٌللحبِّ والأَحلامِ والإلهامِ
- في الغابِ سِحْرٌ رائعٌ متجدِّدٌباقٍ على الأَيَّامِ والأَعوامِ
- وشذًى كأَجنحَةِ الملائكِ غامضٌسَاهٍ يُرفرفُ في سُكونٍ سَامِ
- وجداولٌ تشدو بمعسولِ الغِناوتسيرُ حالمةً بغيرِ نِظامِ
- ومخارفٌ نَسَجَ الزَّمانُ بساطَهامِنْ يابسِ الأَوراقِ والأَكمامِ
- وحَنَا عليها الدَّوْحُ في جَبَروتِهِبالظّلِّ والأَغصانِ والأَنْسامِ
- في الغابِ في تِلْكَ المخارف والرُّبىوعلى التِّلاعِ الخُضْر ولآجامِ
- كم مِنْ مشاعِرَ حلوةٍ مجهولةٍسَكْرى ومِنْ فِكَرٍ ومن أوهامِ
- غنَّتْ كأَسرابِ الطُّيورِ ورفرفتحولي وذابتْ كالدُّخانِ أَمامي
- ولَكَمْ أَصَخْتُ إلى أَناشيدِ الأَسىوتنهُّدِ الآلامِ والأَسقامِ
- وإلى الرِّياحِ النَّائحاتِ كأَنَّهافي الغابِ تبكي ميّت الأَيَّامِ
- وإلى الشَّبابِ مغَنِّياً متَرَنِّماًحوْلي بأَلحانِ الغَرامِ الظَّامي
- وسَمِعْتُ للطَّيرِ المغرِّدِ في الفضَاوالسِّنديانِ الشَّامخِ المتَسامي
- وإلى أَناشيدِ الرُّعاةِ مُرِفَّةًفي الغابِ شاديةً كسِرْبِ يَمامِ
- وإلى الصَّدى المِمْراحِ يهتُفُ راقصاًبَيْنَ الفِجاجِ الفيحِ والآكامِ
- حتَّى غَدَا قلبي كنايٍ متْرعٍثَملٍ من الأَلحانِ والأَنغامِ
- فَشَدَوْتُ باللَّحنِ الغريبِ مجنَّحاًبكآبَةِ الأَحلامِ والآلامِ
- في الغابِ دنيا للخيالِ وللرُّؤىوالشِّعرِ والتفكيرِ والأَحلامِ
- للهِ يومَ مضيتُ أوَّلَ مرَّةٍللغابِ أَرزحُ تَحْتَ عبءِ سَقامي
- ودخَلتُهُ وحدي وحوْلي موكبٌهَزِجٌ من الأَحلامِ والأَوهامِ
- ومشيتُ تَحْتَ ظِلالهِ متَهَيِّباًكالطِّفلِ في صَمْتٍ وفي استسلامِ
- أَرنو إلى الأَدواحِ في جبروتهافأخالُها عَمَدَ السَّماءِ أَمامي
- قَدْ مسَّها سِحْرُ الحَيَاةِ فأَوْرَقَتْوتَمَايَلَتْ في جنَّةِ الأَحلامِ
- وأُصيخُ للصَّمتِ المفكِّرِ هاتفاًفي مِسمعي بغرائبِ الأَنغامِ
- فإذا أَنا في نشوَةٍ شِعريَّةٍفيَّاضَةٍ بالوحيِ والإِلهامِ
- ومشاعري في يقظة مسحورةوَسْنَى كيقظةِ آدَمٍ لمَّا سَرَى
- في جسمهِ روحُ الحَيَاة النَّاميوَشَجتْهُ موسيقى الوُجُودِ وعانقتْ
- أَحلامَهُ في رقَّةٍ وسَلامِورأى الفَراديسَ الأَنيقَةَ تنثني
- في متْرَفِ الأَزهارِ والأَكمامِورأى الملائكَ كالأَشعَّةِ في الفَضَا
- تَنْسابُ سابحةً بغيرِ نظامِوأَحسَّ روحَ الكونِ تخفقُ حولهُ
- في الظِّلِّ والأَضواءِ والأَنسامِوالكَائِناتِ تحوطُهُ بحَنانها
- وبحبِّها الرَّحْبِ العميقِ الطَّاميحتَّى تَمَلأ بالحَيَاةِ كيانُهُ
- وسعى وراءَ مواكبِ الأَيَّامِولَرُبَّ صُبْحٍ غائمٍ متحجِّبٍ
- في كِلَّةٍ من زَعْزَعٍ وغَمامِتتنَفَّسُ الدُّنيا ضَباباً هائماً
- متدفِّعاً في أُفْقهِ المُتَراميوالرِّيحُ تخفقُ في الفَضَاءِ وفي الثَّرى
- وعلى الجبالِ الشُّمِّ والآكامِباكَرْتُ فيهِ الغابَ موهونَ القُوَى
- متخاذِلَ الخُطُواتِ والأَقدامِوجلستُ تَحْتَ السِّنديانَةِ واجماً
- أرنو إلى الأُفُقِ الكئيبِ أَماميفأَرى المبانيَ في الضَّبابِ كأَنَّها
- فِكْرٌ بأَرضِ الشَّكِّ والإِبهامِأَو عالَمٌ مَا زالَ يولَدُ في فضا
- ءِ الكونِ بَيْنَ غياهبٍ وسدامِوأرى الفِجاجَ الدَّامِساتِ خلالَهُ
- ومشاهدَ الوديانِ والآجامِفكأَنَّها شُعَبُ الجَحيمِ رهيبةً
- ملفوفةً قي غُبْشَةً وظَلامِصُوَرٌ من الفنِّ المروِّعِ أعجزتْ
- وَحْي القريض وريشَةَ الرَّسَّامِولَكَمْ مَسَاءٍ حالمٍ متوشِّحٍ
- بالظِّلِّ والضَّوءِ الحزينِ الدَّاميقَدْ سِرْتُ في غابي كفِكْرٍ هائمٍ
- في نَشْوَةِ الأَحلامِ والإِلهامِشِعري وأَفكاري وكُلُّ مشاعري
- مَنْشورةٌ للنُّورِ والأَنْسامِوالأُفْقُ يزخَرُ بالأَشعَّةِ والشَّذى
- والأَرضُ بالأَعشابِ والأَكمامِوالغابُ ساجٍ والحياةُ مُصِيخةٌ
- والأفْقُ والشَّفَقُ الجميلُ أَماميوعروسُ أحلامي تُداعبُ عُودَهَا
- فيرنُّ قلبي بالصَّدى وعظاميروحٌ أَنا مسحورةٌ في عَالمٍ
- فَوْقَ الزَّمانِ الزَّاخرِ الدَّوَّامِفي الغابِ في الغابِ الحبيبِ وإنَّهُ
- حَرَمُ الطَّبيعَةِ والجمالِ السَّاميطهَّرْتُ في نارِ الجمالِ مَشاعري
- ولقيتُ في دنيا الخَيالِ سَلاميونسيت دنيا الناس فهي سخافة
- سكرى من الأوهام والآثاموقَبسْتُ من عَطْفِ الوُجُودِ وحُبِّهِ
- وجمالهِ قبساً أَضاءَ ظلاميفرأيتُ أَلوانَ الحَيَاةِ نضيرةً
- كنضارَةِ الزَّهرِ الجميلِ النَّاميووجدتُ سحرَ الكونِ أَسمى عنصراً
- وأَجلَّ من حُزْني ومِنْ آلاميفأَهَبْتُ مسحورَ المشاعر حالماً
- نشوانَ بالقلبِ الكئيب الدَّاميأَلمعبدُ الحيُّ المقدَّسُ ها هنا
- يا كاهِنَ الأَحزانِ والآلامِفاخلعْ مُسُوحَ الحزنِ تَحْتَ ظِلالِهِ
- والبسْ رِداءَ الشِّعرِ والأَحلامِوارفعْ صَلاتَكَ للجمالِ عَميقةً
- مشبوبةً بحرارَةِ الإِلهامِواصدَحْ بأَلحان الحياة جميلةً
- كجمال هذا العالَم البسَّامِواخفقْ مع العِطْر المرفرفِ في الفضا
- وارقصْ مع الأَضواءِ والأَنسامِومع الينابيع الطليقة والصدى
- وذَرَوْتُ أَفكاري الحزينَةُ للدُّجىونَثَرْتُها لعواصِفِ الأَيَّامِ
- ومَضَيْتُ أَشدو للأشعَّةِ ساحراًمن صوت أحزاني وبطش سقامي
- وهتفتُ يا روحَ الجمالِ تَدَفَّقيكالنَّهرِ في فِكري وفي أَحلامي
- وتغلغلي كالنُّورِ في روحي التيذَبُلَتْ من الأَحزانِ والآلامِ
- أَنتِ الشُّعورُ الحيُّ يزخَرُ دافقاًكالنَّارِ في روحِ الوُجُودِ النَّامي
- ويَصُوغُ أَحلامَ الطَّبيعَةِ فاجعليعُمُري نشيداً ساحرَ الأَنغامِ
- وشذًى يَضوعُ مع الأَشعَّةِ والرُّؤىفي معبدِ الحقِّ الجليلِ السَّامي
المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.