قصيدة
يا أيها الطفل الذي قد
العنوان هو المطلع.
أبو القاسم الشابي · قافيتها غير موسومة · 94 بيتاً
- يا أَيُّها الطِّفْلُ الَّذي قَدْكانَ كاللَّحنِ الجَميلْ
- والوردةِ البيضاءِ تَعْبُقُفي غيابَاتِ الأَصيلْ
- يا أَيُّها الطِّفلُ الَّذي قَدْكانَ في هذا الوُجُودْ
- فرِحاً يُناجي فتنَةَالدُّنيا بمعسولِ النَّشيدْ
- ها أَنْتَ ذا قَدْ أَطْبَقَتْجفنَيْكَ أَحلامُ المَنُونْ
- وتَطَايرتْ زُمَرُ الملائِكِحولَ مضْجعِكَ الأَمينْ
- ومضتْ بروحِكَ للسَّماءِعَرائسُ النُّورِ الحبيبْ
- يحمِلْنَ تيجاناً مُذَهَّبَةًمن الزَّهَرِ الغَريبْ
- ها أَنْتَ ذا قَدْ جَلَّلَتْكَسَكِينَةُ الأَبدِ الكبيرْ
- وبَكَتْكَ هاتيكَ القُلُوبُوضمَّكَ القبرُ الصَّغيرْ
- وتفرَّقَ النَّاسُ الَّذينالمقابِرِ شيَّعوكْ
- ونسُوكَ مِنْ دنياهُمُ حتَّىكأَنْ لمْ يَعْرفوكْ
- شَغَلَتْهُمُ عنكَ الحَيَاةُوحَرْبُ هذي الكائنَاتْ
- إنَّ الحَيَاةَ وقد قضيْتَقُبَيْلَ معرفَةِ الحَيَاةْ
- بحرٌ قَرارَتُهُ الرَّدىونشيدُ لجته شَكَاةْ
- وعلى شواطئهِ القُلُوبُتئنُّ داميةً عُراةْ
- بحرٌ تجيشُ بع العَوَاصفُفي العَشِيَّةِ والغَداةْ
- وتُظِلُّهُ سُحُبُ الظَّلامِفلا سكونَ ولا إياةْ
- نَسِيَتْكَ أَمواجُ البُحَيْرَةِوالنُّجُومُ الَّلامعهْ
- والبُلبلُ الشَّادي وهاتيكَالمروجُ الشَّاسِعهْ
- وَجَداولُ الوادي النَّضيرِبرَقْصِها وَخَريرها
- ومسالكُ الجبلِ الصَّغيربعُشْبِها وزُهورها
- حتَّى الرِّفاقُ فإنَّهمْلبثوا مدًى يتساءلونْ
- في حيرةٍ مشبوبةٍأَيْنَ اختفى هذا الأَمينْ
- لكنَّهمْ علموا بأنَّكَفي اللَّيالي الدَّاجيهْ
- حملتكَ غِيلانُ الظَّلامِإلى الجبالِ النَّائيهْ
- فَنَسُوكَ مثلَ النَّاسِ وانصرفواإلى اللَّهْوِ الجميلْ
- بَيْنَ الخمائلِ والجداولِوالرَّوابي والسُّهولْ
- ونسُوا وداعَةَ وجهكَ الهاديومنظَرَكَ الوسيمْ
- ونسُوا تَغَنِّيكَ الجميلَبِصَوتكَ الحلوِ الرَّخيمْ
- ومضوْا إلى المرْج البهيجِيطارِدُونَ طيورَهُ
- ويُزحزِحونَ صُخورَهُويعابِثونَ زُهورَهُ
- ويشيِّدونَ من الرِّمالِ البيضِوالحَصَبِ النضيرْ
- غُرَفاً وأَكواخاً تُكَلِّلُهاالحشائشُ والزُّهورْ
- ويُنضِّدون من الرُّبىبَيْنَ التَّضاحُكِ والحُبورْ
- طاقاتِ وردٍ آبدٍتُزري بأَورادِ القُصورْ
- يُلقُونها في النَّهْرِقُربانا ًلآلهة السُّرورْ
- فَتَسيرُ في التَّيَّارِ راقصةًعلى نَغَمِ الخريرْ
- كلٌّ نَسُوكَ ولم يعودوايذكرونكَ في الحَيَاةْ
- والدَّهرُ يَدْفُنُ في ظلامِالموتِ حتَّى الذِّكرياتْ
- إلاَّ فؤاداً ظلَّ يخفُقُفي الوُجُودِ إلى لِقاكْ
- ويودُّ لو بَذَلَ الحَيَاةَإلى المنيَّةِ وافتداكْ
- فإذا رأَى طفلاً بكاكَوإن رأَى شبَحاً دَعاكْ
- يُصغي لصوتكَ في الوُجُودِولا يرى إلاَّ بَهَاكْ
- يُصغي لنغمتكَ الجميلَةِفي خريرِ السَّاقيهْ
- في رنَّةِ المزمارِفي لغوِ الطُّيور الشَّاديهْ
- في ضجَّةِ البَحر المجلجِلفي هَدير العاصفهْ
- في لُجَّةِ الغاباتِفي صوتِ الرُّعودِ القاصِفهْ
- في نُغْيَةِ الحَمَلِ الوَديعِوفي أَناشيدِ الرُّعاةْ
- بَيْنَ المروجِ الخُضْرِوالسَّفْحِ المجلَّلِ بالنَّباتْ
- في آهةِ الشَّاكيوضوضاءِ الجموع الصَّاخبهْ
- في شهقةِ الباكييُؤجِّجُها نُواحُ النَّادبهْ
- في كلِّ أَصواتِ الوُجُودِطروبِهَا وكئيبِها
- ورخيمِها وعنيفِهاوبغيضِها وحبيبِها
- ويراكَ في صُوَرِ الطَّبيعَةِحُلوِها وذميمِها
- وحزينِها وبهيجِهاوحقيرِها وعظيمِها
- في رقَّةِ الفجرِ الوَديعِوفي اللَّيالي الحالِمَهْ
- في فتنة الشَّفقِ البَديعِوفي النُّجُومِ البَاسمهْ
- في رقصِ أَمواجِ البحيْرةتَحْتَ أَضواءِ النُّجُومْ
- في سِحْرِ أَزهارِ الرَّبيعِوفي تهاويل الغُيومْ
- في لمعَةِ البرق الخَفُوقِوفي هُوِيِّ الصَّاعقهْ
- في ذِلَّةِ الواديوفي كِبْرِ الجبال الشَّاهقهْ
- في مشهَدِ الغابِ الكئيبِوفي الورود العاويهْ
- في ظُلْمَةِ اللَّيل الحزينوفي الكُهوف العاريهْ
- أَعَرفتَ هذا القلبَ فيظلماءِ هاتيكَ اللُّحُودْ
- هوَ قلبُ أُمِّكَأُمِّكَ السَّكْرَى بأَحزانِ الوُجُودْ
- هو ذلك القلبُ الَّذيسيَعيشُ كالشَّادي الضَّريرْ
- يشدو بشكوَى حزنِهِ الدَّاجيإلى النَّفَسِ الأَخيرْ
- لا ربَّةُ النِّسيانِ ترحمُحُزْنَهُ وترى شقاهْ
- كلاّ ولا الأَيَّامُ تُبْليي أَنامِلِها أَساهْ
- إلاَّ إِذا ضَفَرَتْ لهُالأَقدارُ إكليلَ الجنونْ
- وغدا شقيًّا ضاحكاًتلهو بمرآهُ السُّنُونْ
- هو ذلكَ القلبُ الَّذيمهما تقلَّبَتِ الحَيَاةْ
- وتدَفَّعَ الزَّمَنُ المُدَمْدِمُفي شِعابِ الكائناتْ
- وتَغَنَّتِ الدُّنيا وغرَّدَبلبلُ الغَاب الجميلْ
- سَيَظَلُّ يعبُدُ ذكرياتِكِلا يَمَلُّ ولا يَميلْ
- كالأَرض تمشي فوق تُرْبَتِهاالمسرَّةُ والشَّبابْ
- واللَّيلُ والفجرُ المجنَّحُوالعواصفُ والسَّحَابْ
- والحبُّ تَنبتُ في مواطِنِهِالشَّقائِقُ والورودْ
- والموتُ تُحْفَرُ أَينمايخطو المقابرُ واللُّحودْ
- وتمرُّ بَيْنَ فجاجها اللَّذَّاتُحالمةً تميدْ
- سكرى وأَشواقُ الوَرَىترنو إلى الأُفُقِ البعيدْ
- وتَظَلُّ ترقُصُ للأَسىللَّهْوِ أَشباحُ الدُّهُورْ
- حتَّى يُواريها ضَبابُ الموتِفي وادي الدُّثورْ
- وتَظَلُّ تُورِقُ ثمَّ تُزْهِرُثمَّ يَنْشُرُها الصَّباحْ
- للموتِ للشَّوكِ الممزَّقِللجداولِ للرِّياحْ
- بَسَماتُ ثَغْرٍ حالِمٍيفترُّ في سَهْوِ السُّرورْ
- وَوُرودُ روضٍ باسِمٍيُصغي لأَلحانِ الطُّيورْ
- وتظلُّ تخفقُ ثمَّ تشدُوثمَّ يطويها التُّرابْ
- قُبَلٌ وأَطيارٌ تُغَرِّدُللحياةِ وللشَّبابْ
- وتظلُّ تمشي في جِوارِالموتِ أَفراحُ الحَيَاةْ
- ويغرِّدُ الشُّحرورُ مَابَيْنَ الجَماجِمِ والرّفاتْ
- والأَرضُ حالمةٌ تغنِّيبَيْنَ أَسرابِ النُّجُومْ
- أُنشودَةَ الماضي البعيدِوسُورَةَ الأَزَلِ القديمْ
المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.