قصيدة
أيها الشعب ليتني كنت حطابا
العنوان هو المطلع.
أبو القاسم الشابي · قافيتها غير موسومة · 59 بيتاً
- أَيُّها الشَّعْبُ ليتني كنتُ حطَّاباًفأهوي على الجذوعِ بفأسي
- ليتني كنتُ كالسُّيولِ إِذا سالتْتَهُدُّ القبورَ رمساً برمسِ
- ليتني كنتُ كالرِّياحِ فأطويكلَّ مَا يخنقُ الزُّهُورَ بنحسي
- ليتني كنتُ كالشِّتاءِ أُغَشِّيكلّ مَا أَذْبَلَ الخريفُ بقرسي
- ليتَ لي قوَّةَ العواصفِ يا شعبيفأَلقي إليكَ ثَوْرَةَ نفسي
- ليتَ لي قوَّةَ الأَعاصيرِ إنْ ضجَّتْفأدعوكَ للحياةِ بنبسي
- ليتَ لي قوَّةَ الأَعاصير لكنأَنْتَ حيٌّ يقضي الحَيَاة برمسِ
- أَنْتَ روحٌ غَبِيَّةٌ تكره النُّوروتقضي الدُّهُور في ليل مَلْسِ
- أَنْتَ لا تدركُ الحقائقَ إن طافتْحواليكَ دون مسٍّ وجَبَّسِ
- في صباحِ الحَيَاةِ ضَمَّخْتُ أَكوابيوأَترعتُها بخمرَةِ نفسي
- ثمَّ قَدَّمْتُها إليكَ فأَهرقْتَرحيقي ودُستَ يا شعبُ كأسي
- فتأَلَّمتُ ثمَّ أسْكَتُّ آلاميوكَفْكَفْتُ من شعوري وحسّي
- ثمَّ نَضَّدْتُ من أَزاهيرِ قلبيباقةً لمْ يمسَّها أيُّ إنْسِي
- ثمَّ قَدَّْمتُها إليكَ فمزَّقْتَورودي ودُسْتَهَا أَيَّ دَوْسِ
- ثمَّ أَلبسْتَني منَ الحُزْنِ ثوباًوبِشَوكِ الجبالِ تَوَّجْتَ رأسي
- إنَّني ذاهبٌ إلى الغابِ يا شعبيلأقضي الحَيَاةَ وحدي بيأسِ
- إنَّني ذاهبٌ إلى الغابِ علِّيفي صميم الغاباتِ أَدفنُ بؤسي
- ثم أنساك ما استطعت فما أنتبأهل لخمرتي ولكأسي
- سوف أَتلو على الطُّيور أَناشيديوأُفضِي لها بأشواقِ نفسي
- فَهْي تدري معنى الحَيَاة وتدريأنَّ مجدَ النُّفوسِ يَقْظَةُ حِسِّ
- ثمَّ أقضي هناكَ في ظلمةِ اللَّيلوأُلقي إلى الوُجُودِ بيأسي
- ثمَّ تحتَ الصّنَوْبَر النَّاضر الحلوتَخُطُّ السَّيولُ حُفْرَةَ رمسي
- وتظَلُّ الطُّيورُ تلغو على قَبْرِيَويشدو النَّسيمُ فوقي بهمسِ
- وتظلُّ الفُصولُ تمشي حوالَيَّكما كُنَّ في غَضَارَةِ أَمسي
- أَيُّها الشَّعْبُ أَنْتَ طِفْلٌ صغيرٌلاعبٌ بالتُّرابِ والليلُ مُغْسِ
- أَنْتَ في الكونِ قوَّةً لو تَسُسْهافكرةٌ عبقريَّةٌ ذاتُ بأسِ
- أَنْتَ في الكونِ قوَّةً كبَّلتْهاظُلُماتُ العُصور مِنْ أمس أمسِ
- والشقيُّ الشقيُّ من كانَ مثليفي حَسَاسِيَّتي ورقَّةِ نفسي
- هكذا قالَ شاعرٌ ناولَ النَّاسَرحيقَ الحَيَاةِ في خيرِ كأسِ
- فأَشاحوا عنها ومرُّوا غضاباًواستخفُّوا به وقالوا بيأْسِ
- قَدْ أَضاعَ الرَّشادَ في ملعبِ الجِنِّفيا بؤسَهُ أُصيبَ بمَسِّ
- طالما خاطَبَ العواطفَ في اللَّيلِوناجى الأَمواتَ مِنْ كلِّ جِنْسِ
- طالما رافق الظلام إلى الغابونادى الأرواح من كل جنس
- طالما حدَّثَ الشياطين في الواديوغنَّى مع الرِّياح بجَرْسِ
- إنَّه ساحرٌ تُعَلِّمُهُ السِّحْرُالشياطينُ كلَّ مَطْلعِ شَمْسِ
- فابعِدوا الكافرَ الخبيثَ عن الهيكلِإنَّ الخَبيثَ منبعُ رِجْسِ
- اطردوه ولا تُصيخوا إليهفهو روحٌ شريرةٌ ذاتُ نحْسِ
- هكذا قالَ شاعرٌ فيلسوفٌعاشَ في شعبهِ الغبيِّ بتَعْسِ
- جَهِلَ النَّاسُ روحَهُ وأغانيهافَسَاموا شعورَهُ سوْمَ بَخْسِ
- فهو في مذهبِ الحَيَاةِ نبيٌّوهو في شعبِهِ مُصابٌ بمسِّ
- هكذا قالَ ثمَّ سارَ إلى الغابِليحيا حياةَ شِعْرٍ وقُدْسِ
- وبعيداً هناكَ في معبد الغابالَّذي لا يُظِلُّهُ أَيُّ بؤْسِ
- في ظلال الصَّنَوْبَرِ الحلوِ والزَّيتونِيقضي الحياة حَرْساً بحرْسِ
- في الصَّباحِ الجميل يشدو مع الطَّيرِويَمْشي في نشوةِ المُتَحَسِّي
- نافخاً نايَهُ حواليْهِ تهتزُّورودُ الرَّبيعِ مِنْ كلِّ قنْسِ
- شَعْرُهُ مُرْسَلٌ تُداعِبُهُ الرِّيحُعلى منكبيْه مثلَ الدُّمُقْسِ
- والطُّيورُ الطِّرابُ تشدو حواليهوتلغو في الدَّوحِ مِنْ كلِّ جنْسِ
- وتراهُ عند الأصيلِ لدى الجدوليرنو للطَّائرِ المتحسِّي
- أَو يغنِّي بَيْنَ الصَّنَوْبَرِ أَو يرنوإلى سُدْفَةِ الظَّلامِ المُمَسِّي
- فإذا أَقْبَلَ الظَّلامُ وأَمستْظلماتُ الوُجُود في الأَرضِ تُغسي
- كانَ في كوخه الجميل مقيماًيَسْأَلُ الكونَ في خشوعٍ وهَمْسِ
- عن مصبِّ الحَيَاةِ أَيْنَ مَداهُوصميمِ الوُجُودِ أَيَّان يُرسي
- وأَريجِ الورودِ في كلِّ وادٍونَشيدِ الطُّيورِ حين تمسِّي
- وهزيمِ الرِّياح في كلِّ فَجٍّورُسُومِ الحَيَاةِ من أمس أمْسِ
- وأغاني الرُّعاة أَيْنَ يُواريهاسُكُونُ الفَضا وأَيَّانَ تُمْسي
- هكذا يَصْرِفُ الحَيَاةَ ويُفْنيحَلَقَاتِ السِّنينِ حَرْساً بحَرْسِ
- يا لها مِنْ معيشةٍ في صميمِ الغابِتُضْحي بَيْنَ الطُّيورِ وتُمْسي
- يا لها مِنْ معيشةٍ لم تُدَنّسْهَانفوسُ الوَرَى بخُبْثٍ ورِجْسِ
- يا لها مِنْ معيشةٍ هيَ في الكونِحياةٌ غريبةٌ ذاتُ قُدْسِ
المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.