قصيدة
إذا الشعب يوما أراد الحياة
العنوان هو المطلع.
أبو القاسم الشابي · قافيتها ر · 63 بيتاً
- إِذا الشَّعْبُ يوماً أرادَ الحياةَفلا بُدَّ أنْ يَسْتَجيبَ القدرْ
- ولا بُدَّ للَّيْلِ أنْ ينجليولا بُدَّ للقيدِ أن يَنْكَسِرْ
- ومَن لم يعانقْهُ شَوْقُ الحياةِتَبَخَّرَ في جَوِّها واندَثَرْ
- فويلٌ لمَنْ لم تَشُقْهُ الحياةُمن صَفْعَةِ العَدَمِ المنتصرْ
- كذلك قالتْ ليَ الكائناتُوحدَّثَني روحُها المُستَتِرْ
- ودَمْدَمَتِ الرِّيحُ بَيْنَ الفِجاجِوفوقَ الجبالِ وتحتَ الشَّجرْ
- إِذا مَا طَمحْتُ إلى غايةٍرَكِبتُ المنى ونَسيتُ الحَذرْ
- ولم أتجنَّبْ وُعورَ الشِّعابِولا كُبَّةَ اللَّهَبِ المُستَعِرْ
- ومن لا يحبُّ صُعودَ الجبالِيَعِشْ أبَدَ الدَّهرِ بَيْنَ الحُفَرْ
- فَعَجَّتْ بقلبي دماءُ الشَّبابِوضجَّت بصدري رياحٌ أُخَرْ
- وأطرقتُ أُصغي لقصفِ الرُّعودِوعزفِ الرّياحِ وَوَقْعِ المَطَرْ
- وقالتْ ليَ الأَرضُ لما سألتُأيا أمُّ هل تكرهينَ البَشَرْ
- أُباركُ في النَّاسِ أهلَ الطُّموحِومَن يَسْتَلِذُّ ركوبَ الخطرْ
- وأَلعنُ مَنْ لا يماشي الزَّمانَويقنعُ بالعيشِ عيشِ الحجرْ
- هو الكونُ حيٌّ يحبُّ الحَيَاةَويحتقرُ الميْتَ مهما كَبُرْ
- فلا الأُفقُ يَحْضُنُ ميتَ الطُّيورِولا النَّحْلُ يلثِمُ ميْتَ الزَّهَرْ
- ولولا أُمومَةُ قلبي الرَّؤومُ لمَاضمَّتِ الميْتَ تِلْكَ الحُفَرْ
- فويلٌ لمنْ لم تَشُقْهُ الحَيَاةُمنْ لعنةِ العَدَمِ المنتصرْ
- وفي ليلةٍ مِنْ ليالي الخريفِمتقَّلةٍ بالأَسى والضَّجَرْ
- سَكرتُ بها مِنْ ضياءِ النُّجومِوغنَّيْتُ للحُزْنِ حتَّى سَكِرْ
- سألتُ الدُّجى هل تُعيدُ الحَيَاةُلما أذبلته ربيعَ العُمُرْ
- فلم تَتَكَلَّمْ شِفاهُ الظَّلامِ ولمْتترنَّمْ عَذارَى السَّحَرْ
- وقال ليَ الغابُ في رقَّةٍمحبَّبَةٍ مثلَ خفْقِ الوترْ
- يجيءُ الشِّتاءُ شتاءُ الضَّبابِشتاءُ الثّلوجِ شتاءُ المطرْ
- فينطفئُ السِّحْرُ سحرُ الغُصونِوسحرُ الزُّهورِ وسحرُ الثَّمَرْ
- وسحْرُ السَّماءِ الشَّجيّ الوديعُوسحْرُ المروجِ الشهيّ العَطِرْ
- وتهوي الغُصونُ وأوراقُهاوأَزهارُ عهدٍ حبيبٍ نَضِرْ
- وتلهو بها الرِّيحُ في كلِّ وادٍويدفنها السَّيلُ أَنَّى عَبَرْ
- ويفنى الجميعُ كحلْمٍ بديعٍتأَلَّقَ في مهجةٍ واندَثَرْ
- وتبقَى البُذورُ التي حُمِّلَتْذخيرَةَ عُمْرٍ جميلٍ غَبَرْ
- وذكرى فصولٍ ورؤيا حَياةٍوأَشباحَ دنيا تلاشتْ زُمَرْ
- معانِقَةً وهي تحتَ الضَّبابِوتحتَ الثُّلوجِ وتحتَ المَدَرْ
- لِطَيْفِ الحَيَاة الَّذي لا يُملُّوقلبُ الرَّبيعِ الشذيِّ الخضِرْ
- وحالِمةً بأغاني الطُّيورِوعِطْرِ الزُّهورِ وطَعْمِ الثَّمَرْ
- ويمشي الزَّمانُ فتنمو صروفٌوتذوي صروفٌ وتحيا أُخَرْ
- وتَصبِحُ أَحلامَها يقْظةًموَشَّحةً بغموضِ السَّحَرْ
- تُسائِلُ أَيْنَ ضَبابُ الصَّباحِوسِحْرُ المساءِ وضوءُ القَمَرْ
- وأَسرابُ ذاكَ الفَراشِ الأَنيقِونَحْلٌ يُغنِّي وغيمٌ يَمُرْ
- وأَينَ الأَشعَّةُ والكائناتُوأَينَ الحَيَاةُ التي أَنْتَظِرْ
- ظمِئْتُ إلى النُّورِ فوقَ الغصونِظمِئْتُ إلى الظِّلِّ تحتَ الشَّجَرْ
- ظمِئْتُ إلى النَّبْعِ بَيْنَ المروجيغنِّي ويرقصُ فوقَ الزَّهَرْ
- ظمِئْتُ إلى نَغَماتِ الطُّيورِوهَمْسِ النَّسيمِ ولحنِ المَطَرْ
- ظمِئْتُ إلى الكونِ أَيْنَ الوجودُوأَنَّى أَرى العالَمَ المنتظَرْ
- هُو الكونُ خلف سُبَاتِ الجُمودِوفي أُفقِ اليَقظاتِ الكُبَرْ
- وما هو إلاَّ كَخَفْقِ الجناحِحتَّى نما شوقُها وانتصَرْ
- فصدَّعَتِ الأَرضُ من فوقهاوأَبْصرتِ الكونَ عذبَ الصُّوَرْ
- وجاءَ الرَّبيعُ بأَنغامهِوأَحلامِهِ وصِباهُ العَطِرْ
- وقبَّلها قُبَلاً في الشِّفاهِتُعيدُ الشَّبابَ الَّذي قدْ غَبَرْ
- وقال لها قدْ مُنِحْتِ الحَيَاةَوخُلِّدْتِ في نَسْلِكِ المدَّخَرْ
- وباركَكِ النُّورُ فاستقبليشَبابَ الحَيَاةِ وخصْبَ العُمُرْ
- ومن تَعْبُدُ النُّورَ أَحلامهُيُبارِكُهُ النُّورُ أَنَّى ظَهَرْ
- إليكِ الفضاءَ إليكِ الضِّياءَإليكِ الثَّرى الحالمَ المزدهر
- إليكِ الجمالُ الَّذي لا يَبيدُإليكِ الوُجُودَ الرَّحيبَ النَّضِرْ
- فميدي كما شئتِ فوقَ الحقولِبحُلْوِ الثِّمارِ وغضِّ الزَّهَرْ
- وناجي النَّسيمَ وناجي الغيومَوناجي النُّجومَ وناجي القَمَرْ
- وناجي الحياة وأشواقهاوضنة هذا الوجود الأغر
- وشفَّ الدُّجى عن جمالٍ عميقٍيُشِبُّ الخيالَ ويُذكي الفِكَرْ
- ومُدَّ على الكونِ سحرٌ غريبٌيصرّفُهُ ساحرٌ مقتدِرْ
- وضاءَتْ شموعُ النُّجُومِ الوِضَاءِوضاعَ البَخُورُ بَخُورُ الزَّهَرْ
- ورَفْرَفَ روحٌ غريبُ الجمالبأَجنحةٍ من ضياءِ القَمَرْ
- وَرَنَّ نشيدُ الحَيَاةِ المقدَّسفي هيكلٍ حالِمٍ قدْ سُحِرْ
- وأُعْلِنَ في الكونِ أنَّ الطّموحَلهيبُ الحَيَاةِ ورُوحُ الظَّفَرْ
- إِذا طَمَحَتْ للحَياةِ النُّفوسُفلا بُدَّ أنْ يستجيبَ القَدَرْ
المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.