قصيدة
عذبة أنت كالطفولة كالأح
العنوان هو المطلع.
أبو القاسم الشابي · قافيتها غير موسومة · 68 بيتاً
- عذبة أنت كالطفولة كالأحلام كالحن كالصباح الجديد
- كالسَّماء الضَّحُوكِ كاللَّيلَةِ القمراءِكالوردِ كابتسامِ الوليدِ
- يا لها مِنْ وَداعةٍ وجمالٍوشَبابٍ مُنعَّمٍ أُمْلُودِ
- يا لها من طهارةٍ تبعثُ التَّقديسَ في مهجَةِ الشَّقيِّ العنيدِ
- يا لها رقَّةً تَكادُ يَرفُّ الوَرْدُ منها في الصَّخْرَةِ الجُلْمودِ
- أَيُّ شيءٍ تُراكِ هلْ أَنْتِ فينيسُتَهادتْ بَيْنَ الوَرَى مِنْ جديدِ
- لتُعيدَ الشَّبابَ والفرحَ المعسولَ للعالمِ التَّعيسِ العميدِ
- أَم ملاكُ الفردوس جاءَ إلى الأَرضِ ليُحيي روحَ السَّلامِ العهيدِ
- أَنتِ مَا أَنتِ أَنْتِ رسمٌ جميلٌعبقريٌّ من فنِّ هذا الوُجُودِ
- فيكِ مَا فيهِ من غموضٍ وعُمْقٍوجَمَالٍ مقَدَّسٍ معبودِ
- أنتِ مَا أنتِ أَنتِ فجرٌ من السّحرِتجلَّى لقلبيَ المعمودِ
- فأراه الحَيَاةَ في مُونِقِ الحُسْنِوجلّى له خفايا الخلودِ
- أَنتِ روحُ الرَّبيعِ تختالُ في الدُّنيا فتهتزُّ رائعاتُ الورودِ
- وتهبُّ الحَيَاة سَكرى من العِطرِ ويدْوي الوُجُودُ بالتَّغريدِ
- كلَّما أَبْصَرَتْكِ عينايَ تمشينَبخطوٍ موقَّعٍ كالنَّشيدِ
- خَفَقَ القلبَ للحياة ورفَّ الزَّهرُ في حقلِ عمريَ المجرودِ
- وانتشتْ روحيَ الكئيبَةُ بالحبِّوغنَّتْ كالبلبلِ الغِرِّيدِ
- أَنتِ تُحيينَ في فؤاديَ مَا قدْماتَ في أَمسيَ السَّعيدِ الفقيدِ
- وَتُشِيدينَ في خرائبِ روحيمَا تلاشَى في عهديَ المجدودِ
- مِنْ طموحٍ إلى الجمالِ إلى الفنِّإلى ذلك الفضاءِ البعيدِ
- وتَبُثِّينَ رقَّةَ الشوقِ والأَحلامِوالشَّدوِ والهوى في نشيدي
- بعد أنْ عانقتْ كآبَةُ أَيَّاميفؤادي وأَلجمتْ تغريدي
- أَنتِ أُنشودَةُ الأَناشيدِ غنَّاكِإِلهُ الغناءِ ربُّ القصيدِ
- فيكِ شبَّ الشَّبابُ وشَّحهُ السّحْرُوشدوُ الهَوَى وعِطْرُ الورودِ
- وتراءى الجمالُ يَرْقُصَ رقصاًقُدُسيًّا على أَغاني الوُجُودِ
- وتهادتْ في أُفْق روحِكِ أَوْزانُالأَغاني ورِقَّةُ التَّغريدِ
- فتَمَايلتِ في الوُجُودِ كلحنٍعبقريِّ الخيالِ حلوِ النَّشيدِ
- خطواتٌ سكرانةٌ بالأَناشيدوصوتٌ كَرَجْعِ نايٍ بعيدِ
- وقَوامٌ يَكادُ يَنْطُقُ بالأَلحانِفي كلِّ وقفةٍ وقعودِ
- كلُّ شيءٍ موقَّعٌ فيكِ حتَّىلَفْحَةُ الجيدِ واهتزازُ النّهودِ
- أَنتِ أَنتِ الحَيَاةُ في قدْسها السَّامي وفي سِحْرها الشَّجيِّ الفريدِ
- أَنتِ أَنتِ الحَيَاةُ في رِقَّةِ الفجر في رونق الرَّبيعِ الوليدِ
- أَنتِ أَنتِ الحَيَاةُ كلَّ أَوانٍفي رُواءٍ من الشَّبابِ جديدِ
- أَنتِ أَنتِ الحَيَاةُ فيكِ وفيعَيْنَيْكِ آياتُ سحرها الممدودِ
- أَنتِ دنيا من الأَناشيدِ والأَحلامِوالسِّحْرِ والخيال المديدِ
- أَنتِ فوقَ الخيالِ والشِّعرِ والفنِّوفوقَ النُّهى وفوقَ الحُدودِ
- أَنتِ قُدْسي ومعبدي وصباحيوربيعي ونَشْوتي وخُلودي
- يا ابنةَ النُّورِ إنَّني أنا وحديمن رأى فيكِ رَوْعَةَ المَعْبودِ
- فدعيني أَعيشُ في ظِلِّكِ العذْبِوفي قُرْبِ حُسنكِ المَشْهودِ
- عيشةً للجمالِ والفنِّ والإِلهامِوالطُّهْرِ والسَّنى والسُّجودِ
- عيشَةَ النَّاسكِ البتُولِ يُناجي الرَّبَّ في نشوَةِ الذُّهول الشَّدِيدِ
- وامنحيني السَّلامَ والفرحَ الرُّوحيَّ يا ضوءَ فجريَ المنشودِ
- وارحميني فقد تهدَّمتُ في كونٍ من اليأْسِ والظَّلامِ مَشيدِ
- أنقذيني من الأَسى فلقدْ أَمْسَيْتُ لا أستطيعُ حملَ وجودي
- في شِعَابِ الزَّمان والموت أَمشيتحتَ عبءِ الحَيَاة جَمَّ القيودِ
- وأُماشي الوَرَى ونفسيَ كالقبرِ وقلبي كالعالم المهدُودِ
- ظُلْمَةٌ مَا لها ختامٌ وهولٌشائعٌ في سكونها الممدودِ
- وإذا مَا استخفَّني عَبَثُ النَّاسِتبسَّمتُ في أَسًى وجُمُودِ
- بَسْمَةٌ مرَّةٌ كأنَّني أَستلُّمن الشَّوكِ ذابلاتِ الورودِ
- وانْفخي في مَشاعِري مَرَحَ الدُّنياوشُدِّي مِنْ عزميَ المجهودِ
- وابعثي في دمي الحَرارَةَ عَلِّيأَتغنَّى مع المنى مِنْ جَديدِ
- وأَبثُّ الوُجُودَ أَنغامَ قلبٍبُلْبُليٍّ مُكَبَّلٍ بالحديدِ
- فالصَّباحُ الجميلُ يُنْعِشُ بالدِّفءِحياةَ المُحَطَّمِ المكدودِ
- أنْقذيني فقد سئمتُ ظلاميأنقذيني فقدْ مَلِلْتُ ركودي
- آه يا زهرتي الجميلةَ لو تدرينَمَا جدَّ في فؤادي الوحيدِ
- في فؤادي الغريبِ تُخْلَقُ أَكوانٌمن السّحرِ ذاتُ حُسْنٍ فريدِ
- وشموسٌ وضَّاءةٌ ونُجومٌتَنْثُرُ النُّورَ في فَضاءٍ مديدِ
- وربيعٌ كأنَّهُ حُلُمُ الشَّاعرِفي سَكرة الشَّباب السَّعيدِ
- ورياضٌ لا تعرف الحَلَك الدَّاجيولا ثورَةَ الخريفِ العتيدِ
- وطيورٌ سِحْرِيَّةٌ تتناغَىبأَناشيدَ حلوةِ التَّغريدِ
- وقصورٌ كأنَّها الشَّفَقُ المخضُوبُأَو طلعَةُ الصَّباحِ الوليدِ
- وغيومٌ رقيقةٌ تتهادَىكأَباديدَ من نُثارِ الورودِ
- وحياةٌ شِعْرِيَّةٌ هي عنديصُورةٌ من حَياةِ أَهْل الخلودِ
- كلُّ هذا يَشيدُهُ سِحْرُ عينيكِوإِلهامُ حُسْنِكِ المعبودِ
- وحرامٌ عليكِ أَنْ تهدمي مَاشادهُ الحُسْنُ في الفؤادِ العميدِ
- وحرامٌ عليكِ أَنْ تسْحَقي آمالَ نفسٍ تصبو لعيشٍ رغيدِ
- منكِ ترجو سَعادَةً لم تجدْهَافي حياةِ الوَرَى وسِحْرِ الوُجُودِ
- فالإِلهُ العظيمُ لا يَرْجُمُ العَبْدَإِذا كانَ في جَلالِ السُّجودِ
المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.