قصيدة
أتفنى ابتسامات تلك الجفون
العنوان هو المطلع.
أبو القاسم الشابي · قافيتها غير موسومة · 71 بيتاً
- أتفنى ابتِساماتُ تِلْكََ الجفونِويَخبو توهُّجُ تِلْكََ الخدودْ
- وتذوي وُرَيْداتُ تِلْكَ الشِّفاهِوتهوي إلى التُّرْبِ تِلْكَ النَّهودْ
- وينهدُّ ذاك القوامُ الرَّشيقُوينحلُّ صَدْرٌ بديعٌ وَجيدْ
- وتربَدُّ تِلْكََ الوُجوهُ الصِّباحُوفتنةُ ذاكَ الجمال الفَريدْ
- ويغبرُّ فرعٌ كجنْحِ الظَّلامِأنيقُ الغدائرِ جَعْدٌ مَديدْ
- ويُصبحُ في ظُلُماتِ القبورِهباءً حقيراً وتُرْباً زهيدْ
- وينجابُ سِحْرُ الغرامِ القويِّوسُكرُ الشَّبابِ الغريرِ السَّعيدْ
- أتُطوَى سَمواتُ هذا الوجودويذهبُ هذا الفضاءُ البعيدْ
- وتَهلِكُ تِلْكََ النُّجومُ القُدامىويهرمُ هذا الزَّمانُ العَهيدْ
- ويقضي صَباحُ الحياةِ البديعُوليلُ الوجودِ الرهيبُ العتيدْ
- وشمسٌ توشِّي رداءَ الغمامِوبدرٌ يضيءُ وغيمٌ يجودْ
- وضوءٌ يُرَصِّع موجَ الغديرِوسِحْرٌ يطرِّزُ تِلْكَ البُرودْ
- وبحرٌ فسيحٌ بعيدُ القرارِيَضُجُّ ويَدْوي دويَّ الوليدْ
- وريحٌ تمرُّ مُرورَ الملاكِوتخطو إلى الغابِ خَطْوَ الرُّعودْ
- وعاصفةٌ من نباتِ الجحيمكأنَّ صَداها زَئيرُ الأسودْ
- تَعجُّ فَتَدْوي حنايا الجبالوتمشي فتهوي صُخورُ النُّجودْ
- وطيرٌ تغنِّي خِلالَ الغُصونِوتَهْتِفُ للفجرِ بَيْنَ الورودْ
- وزهرٌ ينمِّقُ تِلْكََ التِّلالَويَنْهَلُ من كلِّ ضَوءٍ جَديدْ
- ويعبَقُ منه أريجُ الغَرامِونَفْحُ الشَّبابِ الحَيِيِّ السَّعيدْ
- أيسطو على الكُلِّ ليلُ الفناءليلهو بها الموتُ خَلْفَ الوجود
- ويَنْثُرَها في الفراغِ المُخيفِكما تنثرُ الوردَ ريحٌ شَرودْ
- فينضُبُ يمُّ الحياةِ الخضمُّويخمدُ روحُ الرَّبيعِ الوَلودْ
- فلا يلثمُ النُّورُ سِحْرَ الخُدودِولا تُنْبِتُ الأرضُ غضَّ الورودْ
- كبيرٌ على النَّفسِ هذا العفاءُوصَعْبٌ على القلبِ هذا الهمودْ
- وماذا على القَدَر المستَمرِّلوِ اسْتمرَأ النَّاسُ طعمَ الخلودْ
- ولم يُخْفَروا بالخرابِ المحيطولم يُفْجَعوا في الحبيب الودودْ
- ولم يسلكوا للخُلود المرجَّىسبيلَ الرّدى وظَلامَ اللّحودْ
- فَدامَ الشَّبابُ وسِحْرُ الغرامِوفنُّ الرَّبيعِ ولُطفُ الورودْ
- وعاش الوَرَى في سلامٍ أمينٍوعيشٍ غضيرٍ رخيٍّ رغيدْ
- ولكنْ هو القَدَرُ المستبدُّيَلذُّ له نوْحُنا كالنَّشيدْ
- تَبَرَّمْتَ بالعيشِ خوفَ الفناءِولو دُمْتُ حيًّا سَئمتَ الخلودْ
- وعِشْتَ على الأَرضِ مثل الجبالجليلاً رهيباً غريباً وَحيدْ
- فَلَمْ تَرتشفْ من رُضابِ الحياةولم تصطَبحْ من رَحيق الوجودْ
- وما نشوةُ الحبِّ عندَ المحبِّوما سِحْرُ ذاك الرَّبيعِ الوليدْ
- ولم تدرِ مَا فتنةُ الكائناتِوما صرخَةُ القلبِ عندَ الصّدودْ
- ولم تفتكر بالغَدِ المسترابِولم تحتفل بالمرامِ البعيدْ
- وماذا يُرجِّي ربيبُ الخلودِمن الكونِ وهو المقيمُ العهيدْ
- وماذا يودُّ وماذا يخافُمن الكونِ وهو المقيمُ الأَبيدْ
- تأمَّلْ فإنَّ نِظامَ الحياةِنِظامٌ دقيقٌ بديعٌ فريدْ
- فما حبَّبَ العيشَ إلاَّ الفناءُولا زانَه غيرُ خوفِ اللُّحودْ
- ولولا شقاءُ الحياةِ الأليمِلما أَدركَ النَّاسُ معنى السُّعودْ
- ومن لم يرُعْهُ قطوبُ الدّياجيرِلَمْ يغتبط بالصَّباحِ الجديدْ
- إِذا لم يكن مِنْ لقاءِ المنايامَناصٌ لمَنْ حلَّ هذا الوجودْ
- فأيّ غِنَاءٍ لهذي الحياةوهذا الصِّراعِ العنيفِ الشَّديدْ
- وذاك الجمالِ الَّذي لا يُملُّوتلكَ الأَغاني وذاك النَّشيدْ
- وهذا الظَّلامِ وذاك الضِّياءِوتلكَ النُّجومِ وهذا الصَّعيدْ
- لماذا نمرُّ بوادي الزَّمانِسِراعاً ولكنَّنا لا نَعودْ
- فَنَشْرَبَ مِنْ كلِّ نبعٍ شراباًومنهُ الرَّفيعُ ومنه الزَّهيدْ
- ومِنْهُ اللَّذيذُ ومِنْهُ الكَريهُومِنْهُ المشِيدُ ومِنْهُ المبيدْ
- ونَحْمِلُ عبْئاً من الذّكرياتِوتلكَ العهودِ الَّتي لا تعودْ
- ونشهدُ أشكالَ هذي الوجوهِوفيها الشَّقيُّ وفيها السَّعيدْ
- وفيها البَديعُ وفيها الشَّنيعُوفيها الوديعُ وفيها العنيدْ
- فيُصبحُ منها الوليُّ الحميمُويصبحُ منها العدوُّ الحقُودْ
- وكلٌّ إِذا مَا سألنا الحَيَاةَغريبٌ لعَمْري بهذا الوجودْ
- أتيناه من عالمٍ لا نراهفُرادى فما شأْنُ هذي الحقُودْ
- وما شأْنُ هذا العَدَاءِ العنيفِوما شأْنُ هذا الإِخاءِ الوَدودْ
- خُلِقنا لنبلُغَ شأْوَ الكمالِوَنُصبح أهلاً لمجدِ الخُلُودْ
- وتطهر أرواحنا في الحياةبنار الأسى
- ونَكْسَبَ مِنْ عَثَراتِ الطَّريقِقُوًى لا تُهدُّ بدأْبِ الصُّعودْ
- ومجداً يكون لنا في الخلودأَكاليلَ من رائعاتِ الوُرودْ
- خُلِقنا لنبلُغَ شأْوَ الكمالِوَنُصبح أهلاً لمجدِ الخُلُودْ
- ولكنْ إِذا مَا لبسنا الخلودَونِلنا كمالَ النُّفوسِ البعيدْ
- فهلْ لا نَمَلُّ دَوَامَ البقاءِوهلْ لا نَوَدُّ كمالاً جديدْ
- وكيف يكوننَّ هذا الكمالُوماذا تُراهُ وكيفَ الحُدودْ
- وإنَّ جمالَ الكمالِ الطُّموحُوما دامَ فكراً يُرَى من بعيدْ
- فما سِحْرُهُ إنْ غدا واقعاًيُحَسُّ وأَصبحَ شيئاً شهيدْ
- وهلْ ينطفي في النُّفوسِ الحنينُوتُصبحُ أَشواقُنا في خُمودْ
- فلا تطمحُ النَّفْسُ فوقَ الكمالِوفوقَ الخلودِ لبعضِ المزيدْ
- إِذا لم يَزُل شوقُها في الخلودِفذلك لعَمْري شقاءُ الجُدودْ
- وحربٌ ضروسٌ كما قَدْ عهدنُونَصْرٌ وكسرٌ وهمٌّ مديدْ
- وإنْ زالَ عنها فذاكَ الفناءُوإنْ كان في عَرَصَاتِ الخُلودْ
المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.