قصيدة
أيّ مضنى يمدها بالكتئاب
العنوان هو المطلع.
معروف الرصافي · قافيتها غير موسومة · 128 بيتاً
- أيّ مُضنَى يَمُدّها بالكتئابأنّةً تترك الحشا في التهاب
- يتشكّى والليلَ وحْف الاهابضمن بيت جثا على الأعقاب
- صفقته فمال كفّ الخرابتسمع الأُذن منه صوتاً حزيناً
- راجفاً في حشا الظلام كمينايملأ الليل بالدعاء أنينا
- ربّ كن لي على الحياة معيناربّ أن الحياة أصل عذابي
- وجع في مفاصلي دقّ عظميودهاني ولم يَرِقّ لعُدمي
- عاقني عن تكسُّبي قوت يوميربّ فارحم فقري بصحة جسمي
- أن فقري أشدّ من أوصابييا طبيباً وأين مني الطبيب
- حال دون الطبيب فقر عصيبلا أصاب الفقيرَ داءٌ مصيب
- أن سُقم الفقير شئ عجيببطلت فيه حكمة الأسباب
- رجل معُسِر يسمى بشيراكان يسعى طول النهار أجيرا
- كاسباً قُوته زهيداً يسيرامالكاً في المَعاش قلباً شكورا
- راجياً في المَعاد حسُن المآبعال أختاً حَكَته خُلْقاً نزيها
- عانساً جاوز الزواج سِنِيهالزِمت بيت أمها وأبيها
- مع أخيها تعيش عند أخيهامثله في طعامه والشراب
- كلَّ يوم له ذهاب ومَأتَيفي معاش من كدّه يتأتّى
- هكذا دأبه مَصيفاً ومَشتَىفاعتراه داء المفاصل حتى
- عاقه عن تعيّش واكتساببينما كان في قواه صحيحا
- ساعياً في ارتزاقه مستميحاإذ عراه الضَنَى فعاد طَليحا
- ورمته يد السقام طريحاجسمه من سقامه في اضطراب
- بات يبكي إذا له الليل آوىبعُيون من السهاد نَشاوى
- فترى وهو بالبكا يتداوىقطراتٍ من عينه تتهاوى
- كشهاب يَنقضّ أثر شهابأن سُقما به وعدماً ألمّا
- تركاه يذوب يوماً فيومافهو حيناً يشكو إلى السقم عُدما
- وهو يشكو حيناً إلى العدم سقماباكياً من كليهما بانتحاب
- ظلّ يشكو للأخت ضَعفا وعَجزاإذ تُعزّيه وهو لا يتعزّى
- أيها الأخت عزّ صبريَ عزّاأنّ للداء في المفاصل وخزا
- مثل طعن القنا ووخز الحرابقد تمادى به السقام وطالا
- وتراءى له الشفاء مُحالاإذ قُلاباً به السقام استحالا
- كان هَيْناً فصار داءً عُضالاناشباً في الفؤاد كالنُشّاب
- ظلّ مُلقىً وأعوزته المطاعممُوثَقاً من سقامه بالأداهم
- مُنفِقاً عند ذاك بعض دراهمرَبِحَتها من غزلها الأخت فاطم
- قبل أن يُبتَلى بهذا المُصابقال والأخت أخبرته بأن قد
- كَرَبت عندها الدراهم تَنْفَدأخبري السقم علّه يتبعّد
- أيها السقم خلِّ عيشي المُنَكّدلا تعُقني في عيشتي عن طلابي
- مرّضيني شقيقتيِ مرّضينيوعلى الكسب في غد حَرِّضيني
- وإذا مَسَّك الطَوىَ فارفُضينيأو على الناس للمبيع اعرِضيني
- علّهم يشترونني مما بيرام خبزاً والجوع أذكى الاُوارا
- في حشاه فعلَّلَته انتظاراثم جاءت بالماء تُبدي اعتذارا
- وهل الماء وهو يُطفئ نارايطفئ الجوع ذاكياً في التْهاب
- خرجت فاطم إلى جارتَيْهاويه تُذري الدموع من مُقلتيها
- فأبانت برِقّة حالتيهامن سقام ومن سُعاد لديها
- وشَكَت بعدَ ذا خُلُوّ الوِطابفانثنَت وهي بين ذُلّ وعزّ
- تحمل التمر في يدٍ فوق خبزوبأخرى سَمناً وبعض أرُزّ
- منحوها به وذو العرش يَجزىمَن أعان الفقير حسن الثواب
- ليلةٌ تَنْشُر العواصفُ ذُعرافي دجاها حيث السحاب اكْفَهَرّا
- ذا هَزِيم يَمُجّ في الأذن وقراحين تُبدي صوالجَ البرق تترى
- كهربائيةٌ سَرَت في السحابمدّ فيها ذاك المريض الأكُفّا
- في فراش به على الموت أوفىطرفه كالسُها يَبين ويَخْفَى
- حيث يُغضي طرفاً ويفتح طرفاعاجزاً عن تكلُّم وخطاب
- فدَعَتْه والعين تُذري الدموعااخته وهي قلبها قد ريعا
- يا أخي أنت ساكت أفجوعاساكت أنت يا أخي أم هُجَوعا
- فاشْفِني يا أخي برَجْع الجوابفرأت منه أنه لا يُجيب
- فتدانت والدمع منها صَبيبثم أصغت وفي الفؤاد وَجيب
- ثم هابت والموت شىءٌ مَهيبثم قامت بخشيةٍ وارتياب
- خرجت فاطم من البيت ليلاحيثِ أرخَى الظلام سدلا فسدلا
- وهي تبكي والغَيث يهطل هطلامثلَ دمع من مقلتَيْها استَهَلا
- أو كماءٍ جرى من الميزابربّ أدرك باللطف منك شقيقي
- وامنع الغيث ربّ عن تعويقيومُرِ البرق أن يُضيء طريقي
- بريقٍ يُبديه أثر بريقفعسى أهتدي به في ذهابي
- قَرعت في الظلام باب الجاروهي تبكي الأسى بدمع جار
- ثم تادت برقّة وانْكسارأم سلمى ألا بحق الجِوار
- فافتحي أنني أنا في البابفأتتها سُعدى وقد عرَفتها
- وعن الخَطْب في الدجى سألتهاثم سارت من بعدما أعلمتها
- تقتفيها وبنتها تَبِعَتهافتخطَّيْن في الدجى بانسياب
- جِئن والسحب أقْلَعت عن حَياهاوكذلك الرعود قلّ رُغاها
- حيث يأتي شِبه الأنين صداهاغير أن البروق كان ضياها
- مومِضاً في السماء بين الرَبابفدخَلْن المحلّ وهو مُخيف
- حيث انّ السكوت فيه كثيفوضياء السراح نَزْرٌ ضعيف
- وبه في الفراش شخص نَحيفدبّ منه الحِمام في الأعصاب
- قالت الأخت أم سلمى انْظُريهثُكلت روح أمه وأبيه
- فرأت منه إذ دنت نحو فيهنَفَساً مبُطيء التردُّد فيه
- ثم قد غالَه الرَدى باقتضابوجَمَت حَيْرةً وبعد قليل
- رمَقَت فاطماً بطرف كَلِيلفيه حَمْل على العزاء الجميل
- فعَلا صوت فاطم بالعويلوبكت طول ليلها بانتِحاب
- فاستمرّت حتى الصباح تُواليزفارت بنارها القلب صال
- فأتاها ودمعها في انْهمالبعض جاراتها وبعض رجال
- من صعاليك أهل ذاك الجَنابوقفوا موقفاً به الفقر ألْقى
- منه ثِقْلاً به المعيشة تَشقىفرأوا دمع فاطم ليس يرقا
- وأخوها مَيْت على الأرض مُلقىمُدرَجٌ في رثائث الثواب
- فغدت فاطم ترن رنيناببكاءٍ أبكت به الواقفينا
- ثم قالت لهم مَقالاً حزيناأيها الواقفون هل ترحمونا
- من مُصاب دها وأيّ مصابأيها الواقفون لا تُهملوه
- دونكم أدمُعي بها فاغْسِلوهثم الثوب ضافياً كفِّنوه
- وادفُنوه لكن بقلبي ادفنوهلا تُواروا جبينه بالتراب
- بعد أن ظلّ لافتِقاد المالوهْو مُلقىً إلى أوان الزوال
- جاد شخص عليه بعد سؤالبريال وزاد نصف ريال
- رجل حاضر من الأنجابكفَّنوه من بعد ما تمّ غسلا
- وتمشَّوا به إلى القبر حَملافترى نعشه غداة استقلا
- نعش من كان في الحياة مُقِلادون ستر مكسّرَ الأجناب
- ناحت الأخت حين سار وصاحتاختك اليوم لو قَضَت لاستراحت
- ثم سارت مدهوشة ثم طاحتثم قامت ترنو له ثم راحت
- تسكبُ الدمع أيَّما تَسكابأيها الحاملوه لا مشيَ رَكض
- أن هذا يوم الفراق المُمِضّفاسألوه عن قصد أين يَمضي
- أنه قد قضى ولم يكُ يَقضيواجبات الصبا وشرخ الشباب
- أن قلبي على كريم السجاياطاح والله من أساه شظايا
- قاتل الله يا ابن أمّي المناياأنا من قبلُ مذ حسبت الرزايا
- لم يكنُ رزء موتكم في حسابيأن ليلي ولست من راقديه
- كلما جاءني وذكّرنيهقلت والدمع قائل لي أيه
- يا فقيداً اعاتب الموت فيهببُكائي وهل يُفيد عتابي
- رُحت يوماً وقد مضت سنتانأتمشى بشارع الميدان
- مَشيَ حيران خَطوُه مُتدانأثقَلَته الحياة بالأحزان
- وسقَتْه كأساً كطعم الصاببينما كنت هكذا أتمشّى
- عَرَضَتْ نظرة فأبصرت نعشابادياً للعيون غير مُغَشّى
- نقش الفقر فيه للحزن نَقْشافبدا لوح أبْؤسٍ واكتئاب
- قلت سرّاً والنعش يقرُب منّيأيّها النعش أنت أنعشتَ حزني
- للأسَى فيك حالة ناسبتنيأن بدا اليوم فيك حزن فإني
- أنا للحزن دائماً ذو انْتسابرحت أسعَى وراء مذ تعدّى
- مسرعاً في خطايَ لم آل جهدامع رجال كأنجم النعش عدا
- هم به ائرون سيراً مُجدّاًفتراه يمرّ مرّ السحاب
- مذ لحدنا ذاك الدفين وعُدناقلت والدمع بلَّ منّي ردنا
- أن هذا هو الذي قدُ وعِدنافأبينوا من الذي قد لحَدْنا
- فتصّدَى منهم فتىً لجوابيقال أن الدفين أخت بشير
- أخت ذاك المسكين ذاك الفقيربَقِيَت بعده بعيش عسير
- وبطرف باك وقلب كسيروقضت مثله بداء القُلاب
- قلت أقصر عن الكلام فحَسْبيمنك هذا فقد تزلزل قلبي
- ثم ناجيت والضراعة ثوبيربّ رُحماك ربّ رحماك ربي
- ربّ رشداً إلى طريق الصوابربّ إن العباد أضعف أن لا
- يجدوا منك ربّ عفواً وفضلاًفاعفُ عن أخذهم وأن كان عَدْلاً
- أنت يا ربّ أنت بالعفو أولىمنك بالأخذ والجزا والعقاب
- قد وردنا والأرض للعيش حَوْضواحد كلنا لنا فيه خَوض
- فلماذا به مَشُوب ومَحْضعَظُمت حكمة الاله فبَعْض
- في نعيموبعضنا في عذابأيها الأغنياء كم قد ظَلَمْتم
- نِعَم الله حيث ما إن رحِمْتمسهِر البائسون جوعاً ونِمتم
- بهناءٍ من بعد ما قد طَعِمْتممن طعام مُنَّوع وشراب
- كم بذلتم أموالكم في الملاهيوركبتم بها مُتون السَفاه
- وبخِلتم منها بحق اللهأيها المُوسِرون بعض انتباه
- أفتدرون أنكم في تَباب
المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.