قصيدة
المسيح بعد الصلب
بدر شاكر السياب · قافيتها غير موسومة · 40 بيتاً
- بعدما أنزلوني ، سمعت الرياحفي نواح طويل تسف النحيل
- و الخطى وهي تنأى . إذن فالجراحو الصليب الذي سمروني عليه طوال الأصيل
- لم تمتني . و أنصت : كان العويليعبر السهل بيني و بين المدينه
- مثل حبل يشد السفينهوهي تهوي إلى القاع . كان النواح
- مثل خيط من النور بين الصباحو الدجى ، في سماء الشتاء الحزينه
- ثم تغفو ، على ما تحس ، المدينهحينما يزهر التوت و البرتقال
- حين تمتد جيكور حتى حدود الخيالحين تخضر عشباً يغني شذاها
- و الشموس التي أرضعتها سناهاحين يخضر حتى دجاها
- يلمس الدفء قلبي ، فيجري دمي في ثراهاقلبي الشمس إذا تنبض الشمس نورا
- قلبي الأرض ، تنبض قمحا ، و زهرا ، وماء نميراقلبي الماء ، قلبي هو السنبل
- موته البعث ، يحيا بمن يأكلفي العجين الذي يستدير
- ويدحى كنهد صغير ، كثدي الحياهمت بالنار : أحرقت ظلماء طيني ن فظل الإله
- كنت بدء ، وفي البدء كان الفقيرمت ، كي يؤكل الخبز باسمي، لكي يزرعوني مع الموسم
- كم حياة سأحيا : ففي كل حفرهصرت مستقبلا ، صرت بذره
- صرت جيلا من الناس ، في كل قلب دميقطرة منه أو بعض قطره
- هكذا عدت ، فاصفر لما رآني يهوذافقد كنت صره
- كان ظلا ، قد اسود مني ، وتمثال فكرهجمدت فيه واستلت الروح منها
- خاف أن تفضح الموت في ماء عينيهعيناه صخره)
- (راح فيها يواري عن الناس قبرهخاف من دفئها ، من محال عليه ، فخبر عنها
- - " أنت ؟ أم ذاك ظلي قد ابيض وارفض نورا؟أنت من عالم الموت تسعى ؟ هو الموت مره
- " هكذا قال آباؤنا ، هكذا علمونا ، فهل كان زورا ؟ذاك ما ظن لما رآني ، وقالته نظره
- قدم تعو ، قدم ، قدمالقبر يكاد بوقع خطاها ينهدم
- أترى جاءوا ؟ من غيرهم ؟قدم .. قدم .. قدم
- ألقيت الصخر على صدري.أو ما صلبوني أمس ؟ .. فها أنا في قبر
- فليأتوا - إني في قبريمن يدري أني .. ؟ من يدري ؟
- ورفاق يهوذا ؟ من سيصدق ما زعموا ؟قدم
- قدمها أنا الآن عريان في قبري المظلم
- ،كنت بالأمس ألتف كالظن ، البرعم،تحت أكفاني الثلج ، يخضل زهر الدم
- كنت كالظل بين الدجى و النهار.ثم فجرت نفسي كنوزا فعريتها كالثمار
- حين فصلت جيبي قماطا وكمي دثارحين دفأت يوما بلحمي عظام الصغار
- حين عريت جرحي ، وضمدت جرحا سواه.حطم السور بيني و بين الإله
- فاجأ الجند حتى جراحي ودقات قلبيفاجأوا كل ما ليس موتا و إن كان في مقبره
- فاجأوني كما فاجأ النخلة المثمره.سرب جوعى من الطير في قرية مقفره
- أعين البندقيات يأكل دربيشرع تحلم النار فيها بصلبي
- إن تكن من حديد ونار ، فأحداق شعبيمن ضياء السموات ، من ذكريا وحب
- تحمل العبء عني فيندى صليبي ، فما أصغره.ذلك الموت ، موتي ، وما أكبره
- بعد أن سمروني و ألقيت عيني نحو المدينهكدت لا أعرف السهل و السور و المقبره
- كان شئ ، مدى ما ترى العينكالغابة المزهره
- كان ، في كل مرمى ، صليب و أم حزينهقدس الرب
- هذا مخاض المدينه
المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.