قصيدة
كآبة الفصول الأربعة
نازك الملائكة · قافيتها غير موسومة · 136 بيتاً
- نحن نحيا في عالم كله دمــع وعمر يفيض يأسا وحزنا
- تتشفّى عناصر الزمن القاسي بآهاتنا وتسخر منا
- في غموض الحياة نسرب كالأشــباح بين البكاء والآهات
- كلّ يوم طفل جديد وميتودموع تبكي على المآساة
- ثم ماذا ؟ في أيّ عالمنا المحــزن نلقى العزاء عمّا نقاسي؟
- عند وجه الطبيعة الجهم أم عنــد فؤاد الزمان وهو القاسي
- قد عبرنا نهر الحياة حيارىفي ظلام الفصول والسنوات
- وثبتنا على أسانا خريفاوربيعا فما جمال الحياة ؟
- طالما مرّ بي الخريف فأصغيــت لصوت القمريّة المحزون
- وأنا في سكون غرفتي الدجــياء أرنو إلى وجوم الغصون
- طالما في الخريف سرت إلى الحقــل وأمعنت في وجومي وحزني
- كيف لا والكآبة المرّة الخرساء قد رفرفت على كل غصن
- والحمام الجميل قد هجر الأعــشاش سأمان من وجوم السهوب
- وطيور الكنار آثرت الهجــرة والعيش في حقول الجنوب
- وغصون الشجار مصفرّة الأوراق والزهر ذابل مكفهرّ
- ورياح الخريف تعبث بالأوراق والسحب في الفضاء تمرّ
- طالما سرت في المساء وفي سمــعي صوت الأوراق تحت خطايا
- كلما سرت خطوة أنّت الأوراق فاستجمعت بعيد أسايا
- أرمق الحقل والجداول قد جفــت ولون الفضاء أسود غائم
- وأحسّ البوم الكئيب يغنّيمن بعيد بين النخيل الواجم
- وأرى النهر من بعيد كسرّغلّفته أيدي الخريف الكئيب
- لا رعاة على شواطئه يزجون أغنامهم قبيل الغروب
- لا اخضرار يغري الحزانى بأن يســعوا إليه ولا صفاء جميل
- ليس إلا رطوبة الأرض والوحــشة والصمت والربى والنخيل
- فإذا رعشة تضمُّ فؤاديوإذا الروح ضائق بأساه
- ما أمرّ الخريف يا رب ما أوحش أصباحه وأقسى مساه
- ثم يأتي الشتاء بالثلج والأمــطار والريح في سكون الليالي
- وتمرّ الأيام موحشة الخطـــو بطاء الصباح والآصال
- وتموت الأزهار في قبضة الثلــج ويعرو الأشجار لون الزوال
- وتغيب الأطيار في الموقد المهــجور أو في كهف وراء الجبال
- ويجيء المساء بالمطر المنــهلّ يبكي على شجا الإنسان
- وتظلّ الرياح تعصف بالنخــل وترثي لكل قلب عان
- آه ما أكأب الشتاء لياليــه وأيامه وما أقساه
- حين أخلو لنار موقدي الخامــد والقلب مغرق في أساه
- لست أصغي إلا إلى ضجة الإعــصار بين النخيل والصفصاف
- واصطفاق الأمواج في شاطيء النهــر ووقع الأمطار فوق الضفاف
- كل شيء في الكون حولي كئيبفي ليالي الشتاء ذات الرعود
- كل شيء حولي سوى ساعتي الصمّــاء في صمت غرفتي المعهود
- ايه يا ساعتي الكئيبة يا منصحبتني في فرحتي وشقائي
- ما الذي تبعثين في نفسي الحيــرى من الحزن في ليالي الشتاء
- أبدا تخفقين في معصمي البارد والليل مظلم ممدود
- لحظات تمرّ في ثقل الساع وليل معذب منكود
- كم سهرت المساء أصغي إلى دقــاتك الحائرات في مسمعيا
- أنت يا من أحصيت ساعات أيّامي وكنت الرسول منها إليّا
- رحمة في الشتاء بي لا تعدّيما تبقّى يا ساعتي من حياتي
- واتركيني أصغي إلى نغم الأمــطار فوق الحقول والربوات
- اتركيني فنغمة المطر الهامر أحلى من صوتك الجّبار
- يا رسول القضاء والزمن المفــني وصوت الأحداث والأقدار
- اتركيني وحدي وإن كان ليليمكفهرا تحت البروق طويلا
- اتركيني أصغي إلى الرعد والأمــطار يا ساعتي وكّفي العويلا
- وغدا يقبل الربيع فيحلوعقرباك المحّببان لعيني
- وتعود الدقّات منك نشيدااتغنّى به ويصدح فنّي
- الربيع الجميل فصل الطيور الــبيض والزهر والسّنا والعطور
- عندما تكتسي العرائش بالكرم وتشدو طيورها في البكور
- عندما يخرج الرعاة إلى الوادي بأغنامهم وتزهو الضفاف
- عندما يزهر البنفسج والخبّــاز والبرتقال والصفصاف
- وتذوب الثلوج في القمم العلــيا فتجري السيول في كل واد
- ويعود البطّ الجميل إلى الشاطىء بين الأعشاب والأوراد
- ويعود الفلاّح يخرج للحقــل طروب الفؤاد كلّ صباح
- تحت شمس الربيع يسقي جذور الــتين والبرتقال والتفّاح
- وتعود الطيور للوطن المهــجور جذلى مفتونة بالربيع
- في ثنايا الأغصان تتخذ الأعــشاش تحت النور النقيّ البديع
- والقماريّ تستحمّ وتلهوبين زهر الخّباز فوق الضفاف
- وتغنّي للنهر أعذب ألحان الأماني في مسمع الصفصاف
- وزهور السفوح تضحك للنحــل وتحني رؤوسها للنسيم
- وقطيع الأغنام يمرح والراعي يُقَضّي النهار تحت الكروم
- وصبايا القرى يرحن ويغدون نشاوى على ضفاف السواقي
- منشدات أحلامهنّ على سمــع الينابيع والورود الرقاق
- وسماء الحياة تزخر بالوجــي ويصحو الشعور والأحلام
- أي أدونيس آه لو عشت في الأرض فعاش السّنا ومات الظلام
- آه لو لم يكن مقامك في عالمنا المكفهرّ حلما قصيرا
- آه لو دمت يا أدونيس للأرض وأبقيت عطرك المسحورا
- يا ضياع الأحلام في مسمع الموت وماذا تفيدنا الأحلام
- ليس يبقى الربيع إلا قليلاثم يخبو الجمال والأوهام
- مثل زهر الصحراء سرعان ما تقــتله الشمس والرياح الهوج
- وتعود الواحات قفرا كما كانت ويذوي العشب النضير البهيج
- هكذا يرحل الربيع سريعاوتعود الحياة للأحزان
- وتموت الآمال في كل قلبوتعيش النفوس للحرمان
- فكأنّ الحياة لم تبتسم إلاّلتلقي سوادها في رؤانا
- وكأن الزهور لم تنشر الأشــذاء إلا لكي تثير أسانا
- وكأن النضارة الحلوة الجذلى حُدَاء بنا لصمت القبور
- وكأن الطيور ترسل لحن الــموت في سمع كلّ حيّ غرير
- يا شباب الحياة ما أنت بالخالد إلا خلود زهر الربيع
- ليس تبقي على نضارتك الأقــدار في حومة الأسى والدموع
- أسفا يا ربيع يا ورد يا عطــر أهذا ختام كلّ جمال
- أكذا يخفت الضياء ويبقى الصــمت والحزن في سكون الليالي
- قصّة الحب والجمال أهذاما إليه تكون بعد صباها ؟
- تتصدّى لها يد الزمن الماحي فتبلى ضياءها وصداها
- هكذا يا ربيع يختتم النســيان والصمت كلّ شيء جميل
- ويعيش الإنسان تعصره الذكــرى ويبكي على أساه الطويل
- فغذا عضّت الكآبة قلبيفي أضاحي الربيع واشتدّ حزني
- فعلى مصرع الفراشات أبكيوذبول الوادي الشجير الأغنّ
- يا معاني الزوال والعدم الرائع رحماك وارفقي بصبايا
- لا تطلّي عليّ من كلّ شيءفي وجودي فقد سئمت أسايا
- أتركيني أر الربيع طيوراليس ينوي لها الأذى مغتال
- ولتكن زهرة البنفسج في عيــني خلودا لا يعتريه زوال
- ودعيني أعش مع الذكريات الــبيض في أمسي الجميل الراحل
- علّ هذا يجلو أسى الصيف عن قلــبي ويحيي موات حلمي الذابل
- فلقد جّفت الرياض الجميلات فلا زهرة ولا أشذاء
- وانطوت فرحة الربيع ومات الــعشب في أرضها وجفّ الماء
- لم تعد في العشاش قمريّة تشــدو وتسقي أفراخها في النهار
- كيف تحيا الطيور في لهب الشمــس وتلهو تحت اللظى والنار
- لم يعد للنسيم قلب يحبّ النــهر والمرج في ظلام الأماسي
- لم يعد للأزهار لون جميليتجلّى لمرهفي الإحساس
- كلّ شيء في الصيف ينطق بالقســوة والشمس شعلة ولهيب
- تتشكّى عريشة الكرم لكنليس يجدي توسّل ونحيب
- آه ما أكأب الظهيرة في الصيــف إذا لاذ جوّها بالسكون
- وتلاشى في الجوّ كلّ هتافغير صوت الطاحونة المحزون
- وبكاء الحمامة الخافت النائي وصوت الغراب بين الكروم
- وأزيز من نحلة تملأ القلــب ملالا بصوتها المسؤوم
- ثم ماذا ؟ ماذا ترى العين في الصيــف إذا اقبل المساء الداجي؟
- هل سوى منظر النخيل البعيدات وحزن الأشجار خلف السياج
- هل سوى منظر الرعاة يعودون باغنامهم حيارى بطاء
- بعد يوم أمضوه تحت لظى الشمــس ملالا وشقوة وعناء
- هل سوى الصائدين في النهر الضحــل يعودون في المساء الكئيب
- لم يصيدوا وصاد أرواحهم حرّنهار مؤذ وعيش جديب
- كلّ يوم يمضي النهار ولا صيــد يعزّي صيّاده الطوّافا
- يا لقلب المسكين قد سئم النهــر وعاف المياه والمجذافا
- فهو عند الغروب يرجع بالزورق سأمان واجم الألحان
- إن تغنى فبالشكاة يزجّيــها إلى خافق الحياة الجاني
- كم رأيت الصيّاد في الشارع المقــفر يمشي معذّبا مصدوما
- عكست مقلتاه أحزان قلبسئم العيش والوجود الأليما
- لست أنت المحزون وحدك يا صيّــاد في حومة الشقاء المخيف
- هو سجن الحياة قد كبّلت أقــياده السود كلّ قلب رهيف
- ذاك شأن الإنسان يا اّيها الصيّــاد يا شاكيا ظلام الرزايا
- في صراع مع العناصر لا يهــدأ حتى يأوي لوادي المنايا
- في سبيل الحياة يبدل أفراح صباه ويستطيب أساه
- فهو يجري وراء حلم كذوبرسمته أوهامه ورؤاه
- وعجيب أنّا نذوق سواد الــعيش واليأس والملال لنحيا
- أيّ عمر هذا ؟ وأيّة مأساة بلونا سوادها الأبدّيا ؟
- أبدا نحن في كفاح مع الأقــدار والحادثات تبلي وتفني
- يتحدّى أحلامنا الواقع المرّويقسو زماننا المتجنّي
- ونخاف الغد الدجيّ ولا نعــلم ماذا يكون فيه المصير
- يا ظلام المجهول ما أرهب التفــكير لا كان سرّك المستور
- آه لو كان في الحياة مفرّمن شقاء الأوهام والأفكار
- في شعاب الهدوء يا ليتنا نلــقي بأعباء خوفنا الجبّار
المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.