قصيدة
في أحضان الطبيعة
نازك الملائكة · قافيتها غير موسومة · 72 بيتاً
- أيها الشاعرون يا عاشقي النبــل وروح الخيال والأنغام
- ابعدوا ابعدوا عن الحبّ وانجوبأغانيكم من الآثام
- اهربوا لا تدّنسوا عالم الفنّبهذي العواطف الآدميّه
- احفظوا للفنون معبدها السامي وغنوا أنغامها القدسيّه
- قد نعمتم من الحياة بأحلىما عليها وفزتم بجناها
- يعمه الآخرون في ليلها الداجي وأنتم تحيون تحت سناها
- اقنعوا باكتآبكم واعشقوا الفنّوعيشوا في عزلة الأنبياء
- وغدا تهتف العصور بذكراكم وتحيون في رحاب السماء
- اقنعوا من حياتكم بهوى الفنّوسحر الطبيعة المعبود
- واحلموا بالطيور في ظلل الأغــصان بين التحليق والتغريد
- اعشقوا الثلج في سفوح جبال الـأرض والورد في سفوح التلال
- وأصيخوا لصوت قمريّة الحقــل تغني في داجيات الليالي
- اجلسوا في ظلال صفصافة الوادي وأصغوا إلى خرير الماء
- واستمدّوا من نغمة المطر الساقط أحلى الإلهام والإيحاء
- وتغّنوا مع الرعاة إذا مرّوا على الكوخ بالقطيع الجميل
- وأحبوا النخيل والقمح والزهــر وهيموا في فاتنات الحقول
- شجرات الصفصاف أجمل ظلاّمن ظلال القصور والشرفات
- وغناء الرعاة أطهر لحنامن ضجيج الأبواق والعجلات
- وعبير النارنج أحلى وأندىمن غبار المدينة المتراكم
- وصفاء الحقول أوقع في النفــس من القتل والأذى والمآثم
- وغرام الفراش بالزهر أسمىمن صبابات عاشق بشريّ
- ونسيم القرى المغازل أوفىلعهود الهوى من الآدميّ
- وحياة الراعي الخياليّ أهنأمن حياة الغنيّ بين القصور
- في سفوح التلال حيث القطيع الــحلو يرعى على ضفاف الغدير
- حيث تثغو الأغنام في عطفة المرج وتلهو في شاسعات المجالي
- وينام الراعي المغرّد تحت السّــرو مستسلما لأيدي الخيال
- في يديه الناي الطروب يناجيــه ويشدو على خطى الأغنام
- مستمدّا من همس ساقية السفــح لحون الشباب والأحلام
- آه لو عشت في الجبال البعيدات أسوق الأغنام كل صباح
- وأغنّي الصفصاف والسرو أنغامي وأصغي إلى صفير الرياح
- أعشق الكرم والعرائش والنبــع وأحيا عمري حياة إله
- كلّ يوم أمضي إلى ضّفة الوادي وأرنو إلى صفاء المياه
- اصدقائي الثلوج والزهر والأغــنام, والعود مؤنسي ونجيّي
- ومعي في الجبال ديوان شعرعبقريّ لشاعر عبقريٍّ
- أتغّنى حينا فتصغي إلى لحــني مياه الوادي ومرتفعاته
- وأناجي الكتاب حينا وقربيهدهدٌ شاعرٌ صفت نغماته
- وخرير من جدول معشب الضفّــة يجري إلى حفاف الوادي
- وثغاء عذب من الغنم النشــوى وهمسٌ من النسيم الشادي
- آه لو كان لي هنالك كوخشاعريٌّ بين المروج الحزينه
- في سكون القرى ووحشتها أقــضي حياتي لا في ضجيج المدينه
- ليتني من بنات تلك الجبال الــغنّ حيث الجمال في كل ركن
- ليتني ليتني وهل تبعث الأحــلام إلا الدموع في كلّ عين
- قدّرت لي السنين أني هنا أقــضي حياتي قلبا رقيقا شجيّا
- في ضباب الخيال أمشي وحوليعالم للغنى يموت ويحيا
- قد أحبوا أيامهم وتمّردت عليها فعشت في أحلامي
- إن أكن قد ولدت في هذه الضجّــة فلألتجيء إلى أوهامي
- ولأعش في الخيال حيث تهيم الــروح بين المروج والقطعان
- هكذا تهدأ الأماني إلى حيــن وتخبو مرارة الأحزان
- هكذا أدفن الطموح كما يدفنه كلّ طامح بشريّ
- وعيون الأقدار يضحكن منيهازئات بضعفي الادميّ
- ياعيون الأقدار لا ترمقي دمــعي ولا تهزأي بقلبي الحزين
- إن يكن في دمي طوح نبيّفأسى اليائسين ملء عيوني
- كان هذا الطموح لعنة أيّامي فيا ليتني عصيت هواه
- كلما حّقق الزمان لقلبيحلما صورت حياتي سواه
- لست أدري ماذا سيجنيه قلبيمن شرودي في كل أفق ونجم
- أبدا أرتقي النجوم وأرنولمجاهيل عالم مدلهمِّ
- لست أدري شيئا أنا اليأس يا أرض وأنت ابتسامتي ودموعي
- أنت وحيي ومنك تنبع أحلامي, وإن كنت في حماك الوضيع
- إرفعيني إلى السماء إذا شئــت بوحي من سحرك الشاعريّ
- وأعيدي مني إذا شئت للطيــن فتاة تبكي على كل حيّ
- أضحكيني وأطلقيني ورقاءتغني بحسنك الفّتان
- أو دعيني أبكي على أشقياء الـأرض بين الحنين والحرمان
- ضاع يا أرض فيك معنى الأمانيوتبقّى الشقاء والأكدار
- وخبت في كآبة الموت أصوات الأغاني واستسلم القيثار
- فعلام العزاء والأمل الموهوم في حومة الدجى المدلهمّ
- ولم الأشقياء يخفون بلواهم ويحيون في خداع ووهم
- قد وصفت الشقاء في شعري الباكي وصوّرت أنفس الأشقياء
- وشدوت الحياة لحنا كئيباليس في ليله شعاع ضياء
- فأثارت كآبتي عجب الناس وحاروا في سرّها المجهول
- ما دروا أنني أنوح على مأساتهم في ظلامها المسدول
- أنا أبكي لكل قلب حزينبعثرت أغنياته الأقدار
- واروّي بأدمعي كلّ غصنظامىء جفّ زهره المعطار
المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.