قصيدة
مأساة الشاعر
نازك الملائكة · قافيتها غير موسومة · 110 أبيات
- قد هبطنا في شاطىء الشعر والفنفماذا فيه من الأفراح؟
- ها هو الشاعر الكئيب وحيداتحت سمع الآصال والأصباح
- أبدا ساهم يراقب أيّام حياة لا تنقضي بلواها
- لا يرى الواهمون غير ضحاهاويعيش الفّنان تحت دجاها
- يرقب الأشقياء في ظلمة العيــش ويبكي لهم بكاء غبين
- ويصوغ الألحان يرثى لبلواهم ويبكي على الوجود الحزين
- طالما بات ساهد الطرف حيران يسرّ الظلام أحزان شاعر
- لا يرى في الحياة إلا وجوداظلّلته يد الشقاء العاصر
- أبدا لا يرى سوى مسرح المأساة بين الدموع والتنهيد
- وستارا من الدجى يتجلّىكلّ يوم عن مّيت ووليد
- واكتئابا يمشي على صور الكون جميعا ولوعة وشقاء
- ودموعا تلوح في كل عينيــن ودهرا يخادع الأحياء
- ليس يلقى الحياة إلا حزين الــقلب حيران في هموم الحياة
- كلما أنّ بائس ذرف الشاعر دمع الأسى على المأساة
- وإذا أذبل الجليد زهو الــلوز ران الأسى العميق عليه
- وإذا ماتت البلابل ظمأىجال دمع الرثاء في مقلتيه
- فهو قلب قد صيغ من رقّة الزهــر وعين قد طهّرت بالدموع
- وحياة حسّاسة ليس يدريسرّها غير شاعر مطبوع
- هي عمر ظمآن تعصره العُزْلة عصرا, يمرّ كالآزال
- في سكون لا صوت يسمع فيهغير صوت الصرّار تحت الليالي
- غير همس الحمام في الجبل الموحش أو لحن بلبل مهجور
- وحفيف الأشجار في قبضة الريح وصوت الرعود في الديجور
- غير همس الأشباح ملء دجى الشاعر في ليله الطويل الجديب
- يتلقّى الأشعار عنها ويحياأبدا في حمى الأسى والشحوب
- أيها الشاعر الذي يسهر الليــل وحيدا مستغرقا في الجمود
- محرقا روحه بخورا على حبّ(أبولو) ووحيه المنشود
- ساهدا حانيا على القلم الشاعر يرثي الدجى ويبكي السنينا
- راسما للحياة صورتها المرّة بين الجياع والبائسينا
- أطفىء الضوء أيّها الشاعر المتــعب وارحم فؤادك الموجوعا
- كاد يخبو ضوء السراج وتأتيظلمات الدجى عليه جميعا
- رقد العالم المعذّب تحت الــليل فارقد واترك بقايا النشيد
- حسبك الآن ما سهرت مع الحارس ترثي لليله المكدود
- قد أوى الحارس الكئيب إلى الكوخ إلى غمضة الكرى والطيوف
- فكفى يا حزين عطفا على الكون ورفقا بقلبك الملهوف
- عجبا كيف تسهر الشاعر الملــهم أحزان من عن الحزن ناموا
- كيف ترقا مدامع الورد في الحقــل ويبكي على أساها الحمام
- آه يا شاعري المعذّب ماذا؟أكذا تصرف الحياة غبينا؟
- في سبيل الوحي السماويّ تحياشاحب الوجه متعبا محزونا
- بعت بالشعر لهو أيّامك الظمأى وعفت الحياة عينا وقلبا
- ونذرت الشباب والحبّ للفنّلتحيا على الجراح محبّا
- ليس يعنيك أن ترافقك الأحــزان ما دمت ملهما صدّاحا
- ليس يرضيك غير تغّنيــه وإن صغته أسى ونواحا
- ليس تعطي الحياة للشاعر المجــد إذا لم يذق هموم الحياة
- ليس تسمو الأرواح إن لم تطهّرها معاني الدموع والآهات
- فإذا أشحب الأسى وجنة الشاعر أو بات ليلة أوّاها
- وإذا عضّ قلبه مخلب الحزن وضاقت حياته بأساها
- خاطبته الحياة : يا شاعري الملــهم يا ابن الشحوب والآلام
- النجوم الوضاء لا تبعث السحــر إذا لم يسدل ستار الظلام
- والذي يجمع الزهور يدوس الـالشوك يا شاعري ويمشي عليه
- والذي يعشق الطبيعة لا يثــقل صمت الدجى على مسمعيه
- فاحتمل ما استطعت أحزان عمرهو لولا الأحزان ما كان شيّا
- وادفن النور في جفونك ميتاوابعث الشعر من فؤادك حّيا
- غنّ هذا العذاب صف لحياة النــاس ماذا يبكي فؤاد الشاعر
- صف لهم كيف يصرف العمر حيران ويحيا على أساه العاصر
- صف لهم ذلك الصراع صراع الــفكر والقلب في ظلام الحياة
- كلّما أخفت النعيم صراخ الــقلب ضج الفكرالأبيّ العاتي
- فهما في حياته نبع أحزان يردّ الحياة أفقا كئيبا
- وهما الثائران لا بدّ من صوتهما وليكن دما ولهيبا
- شرعة الفكر أن يغرّد بالشعــر ويشدو وإن يكن محزونا
- ومناه السموّ للعالم الأعــلى وأن يلق في الطريق المنونا
- فهو أفق حرّ يريد حياة الــعقل في معزل عن الإحساس
- وسواء لديه أن يشجب الشاعر أو أن تقسو عليه المآسي
- أفليس الشحوب والألم العاصر نبعا للشعر والألحان
- أو لا تقنع الحياة من الشاعر باللحن في حمى الحرمان؟
- فيم كان الصراع يبعثه القلــب إذن فيم؟ فيم لا يطمئن
- فيم يأبى الحياة في وحشة العزلة والفكر فيم يمضي يئن؟
- هكذا تصرخ الخواطر بالشاعر في ليله, فإن جاء فجر
- ورأى الراعي الصبيّ يسوق الــغنم الظامئات لم يبق شعر
- ومضى القلب صارخا أين حّبي؟أين لهوي؟ وفيم أبقى أسيرا
- أبدا لا أني أضحّي بأفراحي، وأحيا ذاك الحزين الكسيرا
- من بكائي تصوغ شعرك للكون ومنّي المنى ومنّي الحنين
- من دمي هذه الملاحم فارحمــني أنا العاشق الشجي المغبون
- انطلق بي دعني أذق فرحة الحبّلعلي من الشقاء أفرّ
- ما غناء الأشعار يا شاعري المتــعب إن كانت الحياة تمرّ؟
- ليس يغني عنك النشيد إذا متّحزينا وليس يرويك لحن
- لا تقل في غدٍ غدٌ ندم قاس على ما مضى ويأس وحزن
- تحت ثقل الثرى وفي وحشة الموت سيخبو هذا النشيد ويفنى
- فإذا لحنك الذي صغته يأسا وحزنا للناعمين يغّني
- وسَتُنْسَى أنت الذي ملأ الدنــيا جمالا ومات ظمآن جهما
- وسيبلى التراب ما يتبّقىمنك يا مستطار لحما وعظما
- ثم ماذا ؟ غدا يقولون قد كان فتى بيننا طواه الهزال؟
- ما رأينا منه سوى طيف إنسان فقدناه واصطفاه الخيال
- سيقولون شاعر ركبتهلوثة فانزوى وعاش غريبا
- أبدا يرقب الفضاء يصيد النــجم أو يحصد الظلام الكئيبا
- يرمق الزهر من بعيد وفي عيــنيه أحلام عاشق ولهان
- جامدا قانعا بعذريّ حبّيكتفي بالعطور والألوان
- أيها الشاعر السجين كفاناغربة في حياتنا ووجوما
- حسبك الآن ما خضعت لصوتالعقل وارحم شبابك المحروما
- ويمرّ النهار والشاعر المغــبون حيران بين فكّي أساه
- بين همس الصوتين يحيا كئيباويناجي طيوفه ومناه
- فإذا جاش قلبه بمعاني الــيأس ألقى أحزانه في النشيد
- لائذا باليراع يسكب فيهما يعاني من العذاب الشديد
- ساكبا روحه على كل بيتناحتا من فؤاده الألحانا
- راضيا بالشحوب والسقم حبالأبولو مستسهلا ما كانا
- كلّ بيت من شعره يتقاضاه شحوبا ورعشة وسقاما
- فهو في لحنه يذيب صباهويضيع الشباب والأحلاما
- ثم ماذا؟ سرعان ما يزأر الإعــصار, والزهرة الجميلة تذوي
- وإذا الضوء في الأعاليّ يخبووإذا النجمة الوضيئة تهوي
- ويغيب الضياء في ليل قبرليس تبكي له سوى الأمطار
- ليس يرثيه غير ذاوي صباهوبقايا القيثار والأشعار
- ذلك الشاعر الذي كان يحياعمره باكيا على كلّ باك
- ذلك العاطف النبيل على الأحــزان ذاك الملقى على الأشواك
- نبذته الأيام في قبره الموحش تحت الرياح والظلمات
- حيث لا آهة يصعّدها قلــب ولا دمعة على المأساة
- هكذا في العذاب تمضي حياة الشــاعر الملهم الرقيق وتنسى
- هكذا يملأ الوجود جمالاويذوق الآلام كأسا فكأسا
- هكذا كلّ شاعر فارحلي بييا سفيني عن عالم الشعراء
- ولندعهم في ذلك الشجن العاصف بين الآهات والأدواء
- ولنسر في بحر الحياة كما كنّــا ونلقي المرسى على كل ساحل
- ربما يا سفين نلقى ضياءيتجلّى بعد الظلام القاتل
المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.