قصيدة
في الريف
نازك الملائكة · قافيتها غير موسومة · 112 بيتاً
- عند هذي الأكواخ شاعرتي ألــقي المراسي تحت الفضاء الصاحي
- أنظري أيّ عالم فاتن المجــلى بعيد عن ضجّة الأتراح
- أنظري عّلنا بلغنا أخيراذلك الشاطىء الذي نتمّنى
- بعد ليل من المسير طويلضاع فيه عمري كلالا وحزنا
- أنظري أنظري هنا العشب الأخــضر نشوان في سفوح الجبال
- عند نبع من قنّة الجبل الأبــيض يجري تحت السّنا والظلال
- الصباح الجميل قد توّج الوديان بالضوء والجمال البهيج
- ما أحبّ الحياة في هذه الجنّــة تحت الضياء بين المروج
- ما أحبّ الصفاء يحتضن الأشــجار والواد النضير الخصيبا
- ما أرقّ الأزهار في مهدها الورديّ ما أعطر الربى والسهوبا
- كلّ شيء في هذه الجّنة الحلــوة يوحي بأننا قد وصلنا
- ها هنا شاطىء السعادة هذاحلم قلبي فما ألذّ وأهنا
- فلنطف بالعرائش الخضر فلنغــنم صفاء الحياة بعد أساها
- فلتجفّ الدموع فليمض أمسمرّ بالقلب باكيا أوّاها
- ولنعش للصفاء يفتن دنيانا غناء الرعاة عند الجبال
- ونشيد تديره شفتا طفــل يغّني على تلول الرمال
- وقطيع الأغنام في المرج تحت الظــلّ والفجر والندى والنسيم
- وليالي الحصاد والقمر السحريّ والطيف والصدى والغيوم
- فلنُقَضِّ الحياة في هذه الجنــة ناسين حادثات الحياة
- ها هنا فتنة الطبيعة تنجي الــكائن الحيّ من خيال الممات
- ها هنا أستطيع أن أفهم السرّففيم الأسى وفيم البكاء؟
- خل خلت هذه المجالي من الأغــنام يوما؟ وهل تعرّى الفضاء؟
- ها هنا يستطيع أن يفهم القلــب جمال الدنيا وسرّ الخلود
- كل حيّ باق فإن مات غرّيــدٌ فكم في الأعشاش من غرّيد
- ها هنا كلّ زهرة تبعث العطــر فإن تفن فالشذى غير فان
- كم زهور ستنشر العطر والألــوان من بعد في فضاء المغاني
- ها هنا إن يسر أبولو بضوء الشــمس نحو المغيب كلّ مساء
- فالنجوم الملألئات جمالشاعريّ الألوان والأضواء
- ها هنا تنطق العرائش بالشعــر وتحنو على مجاري الجداول
- ها هنا تستحمّ آلهة الأنــهار في الماء تحت ظلّ الخمائل
- كلّ شيء حلو فاين ترى السكــان؟ أين الفلاّح والقطعان؟
- فيم لا يملأون عالمهم لهــواً ؟ وأين الآمال والألحان؟
- سرت فيه وحدي وحدي أسائله عنساكنيه وأيّ واد حواهم؟
- أيّ لحن يرّنمون إذا الشمــس أطّلت؟ وما ترى نجواهم؟
- كيف يحيون في صفاء من العيــش بعيد عن قسوة الضرّاء
- أأظّلتهم السعادة بالأحــلام أم هم كسائر الأشقياء
- اتراهم يرنّمون الأغاريـــد ويلهون في ليالي الحصاد
- تحت ضوء النجوم والقمر الباسم بين العطور والأوراد
- أتراهم أولئك البشر اللاهون بين الجمال والأحلام؟
- أتراهم كما تخّيل قلبي؟أم تراني أمعنت في اوهامي
- يا رعاة الأغنام في السفح عند النــبع بين العرائش السّندسية
- حدّثوني عن أغنياتكم الجذلى وعن بسمة القرى الشاعرّيه
- حدّثوني عن الربيع إذا مرّعلى هذه القرى والشطوط
- حدّثوني عن الحصاد ومجنى الــزهر والبرتقال والبلّوط
- حدّثوني ما لي أراكم حزانى ؟كلّ راع في وحشة واكتآب
- كلّ راع جهم الملامح لا يشــدو ولا يزدهيه سحر الغاب
- أنت يا أيّها الحزين أجبنيأيّ حزن في مقلتيك أراه؟
- أي قيد من المرارة واليأس أظلّتك يا كئيب يداه؟
- كيف يشقى من في حمى هذه الجنــة يحيا وتحت هذي السماء
- كيف يشقى الراعي وبين يديهجنة من مفاتن وضياء
- أسفا قد خدعت لم تصدق الأحــلام فيما رسمن من أفراح
- لم أجد عند ذلك الشاحبالصامت إلا مرارة الأقداح
- فهو عند الينبوع ينظر في الظلّإلى الأفق شاحبا مصدوما
- ممعنا في الجمود والصمت كالموتى يناجي الفضاء يرعى الغيوما
- لم تزل قربه على العشب النادي عظام لكائن مقتول
- هو ذاك الراعي الصغير الذي راح طعاما للذئب بين الحقول
- إيه راعي الأغنام يا أيّها المقــتول فوق العشب النديّ النضير
- كيف مات الراعي ولم تمت الأغــنام يا للمقدّر المسطور
- يا لحكم الأقدار يا راعي الأغــنام يا ظلم ما تريد الصروف
- كيف تفنى الأشواك حارسة الزهــر ويبقى الورد الرقيق الضعيف؟
- إنها قصّة الطبيعة يا راعي قتال وأدمع وشكاة
- إن تكن قد قتلت فالثأر باقوغدا تقتل الذئاب الرعاة
- نازعتنا البقاء في هذه الأرض وحوش الأحراش والأطيار
- فلنا النصر مرّة ولهم أخــرى كما تبتغي لنا الأقدار
- فعزاء يا أيّها الجسد المصــروع في غمرة الكرى الأبديّ
- قد بكاك الراعي الصديق وما زال غريقا في حزنه الأخويّ
- لم يزل جامدا على حافة النبــع وفي مقلتيه دمع الشجون
- يرقب الماء شاكيا قسوة الأقــدار مستنكرا ضلال المنون
- صامتا ساهما بعيدا عن الأغــنام حيران في ضباب الوجود
- رازحا تحت وطأة الألم الطاغي مشيحا عن الشذى والورود
- كلما جفّ دمعه ذكر المقــتول والذئب فاستردّ أساه
- يا لأحزانه الملحّات يا للــهول ماذا ترى يعيد صفاه؟
- السّنا والجمال؟ يا حيرة الراعي ويا ضيعة السنا والجمال
- بعد حين ستعصف الريح بالصفــصاف والورد في سفوح الجبال
- بعد حين يأتي المساء كئيباويلفّ الجبال بالأحزان
- ويسود السكون غير هتافردّدته ضفادع الغدران
- غير صوت النشيج في قرية الراعي تعالى تحت الدجى المنشور
- غير صوت القدوم يعمله الحفّــار في الأرض بين صمت القبور
- ثم يمضي الليل العميق إلى غيــر رجوع وتبسم الأضواء
- ويعود القمريّ يصدح جذلان كأن ليس في الحياة شقاء
- غير دار ماذا يعذّب أهل الــقرية البائسين من آلام
- غير دار ما خلف أكواخهم منرعشات ولوعة وسقام
- ليس يدري القمريّ لا ليس يدريما وراء الأكواخ من حرمان
- ليس يدري أنّ الطبيعة تقسوليس يدري مرارة الأحزان
- ليس يدري ماذا وراء بيوت الطــين هذي من وحشة وظلام
- ليس يدري ماذا يهزّ الخيام الــسود من لهفة ومن آلام
- ليس يدري القمريّ ما يحزن الفــلاح في كوخه وليس يراه
- ليس يدري أنّ الأماسيّ قد تمــضي عليه وما يغيب أساه
- ليس يدري ما يفعل الجوع والحزن بأهل الأكواخ كلّ شتاء
- حينما تغمر الثلوج ثرى المرج وتطغى عواصف الأجواء
- حينما في حضائر القرية الحيــرى يموت القطيع موت غبين
- حينما تذبل العواصف زهر الــلوز والبرتقال والياسمين
- حينما تدفن الثلوج حقول الــقمح يا رحمتاه بالفلاّح
- حينما يصرخ الجياع الحيارىفي ظلام الأكواخ كلّ صباح
- أيها الصادح المغرّد فوق الــدّوح طر عن هذا الوجود الأليم
- دع أساه يا طير لي أنا وحديواحيَ أنت الجذلان بين الغيوم
- دعه لي دع آمال قلبي تذبلبعد بحثي الطويل في الكون عنها
- دع فؤادي يعد إلى ظلمة الأحــزان واخلص يا بلبلي أنت منها
- خّيبت هذه القرى حلو أحلامي فلا رسم للسعادة فيها
- ليس يدري الراعي المعذّب مأواها ولا كان مرّة من بنيها
- خدعتني الأوهام ليس لدى الراعي رخاء الحياة ليس لديه
- فهو ذاك المكدود تصهره الشمــس ويقسو الحصى على قدميه
- يتمّنى أن لو تبدّل بيت الطــين قصرا على حفاف المدينه
- ويريد الحياة لهوا فلا أغــنام تثغو ولا نفوس حزينه
- يا لوهم المسكين, كم من شقيّفي ظلال القصور كم مصدوم
- ليس للمال أن يذيق فؤادابشرّيا معنى الرضى والنعيم
- يا سفيني ما عاد في القرية الحلــوة مرسى لنا ففيم البقاء
- ليس تحت الصفصاف إلا بيوت الطّــين والسقم والطوى والبكاء
- أقلعي أقلعي بنا قد سئمناصرخات الجياع في كلّ شِعْبِ
- قد رأينا الدموع في كلّ عينوشهدنا الشقاء في كلّ قلب
- ما الذي يا سفين يغري بأن نبــقى إذن؟ ما الذي ترى يبقينا؟
- هل وجدنا طيف السعادة هل فيهذه الأرض فرحة تغرينا؟
المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.