قصيدة
عند الرهبان
نازك الملائكة · قافيتها غير موسومة · 46 بيتاً
- سر بنا نحو ذلك المعبد القائم فوق الصخور بين الجبال
- سر بنا سر بنا لعل لدى الرهــبان سرّ النعيم والآمال
- هؤلاء الزهّاد في القّنة البيــضاء حيث الصفاء ملء الوجود
- عّلهم يعرفون ما قد جهلناعن شهاب السعادة المفقود
- قد سألت الرهبان عن كنزنا السّحــريّ لكن لم ألق منهم جوابا
- لم يجبني منهم سوى صوت محزون يغّني ويجرع الأوصابا
- لم أجد في تلك الصوامع غير الـأوجه الشاحبات والديجور
- لم أجد غير وحشة تبعث اليأس وصمت كمثل صمت القبور
- هؤلاء الأشباح ماذا تراهم ؟آدميّون أم بقايا طيوف
- فيم جاءوا وأية سلوىوجدوها ما بين هذي الكهوف
- في بعيد الآفاق تحت دياجيـــر وجود تمشي الكآبة فيه
- حيث ما زالت الحياة كما كانت على عهد آدم وبنيه
- حيث لا زهر لا عرائش لا أشــجار لا شيء غير هذا السكون
- لا جديد فيه سوى موت حيّمن بنيه ما بين حين وحين
- أيّها الراهب الذي يقطع العمــر وحيدا في كوخه المكفهرّ
- هات حدّثني العشّية عماعند دنياك من نعيم وبشر
- حدّثوني عنكم فقالوا حياةمن نعيم وأنفس من نقاء
- عجبا أين ما يقولون ؟ما ليلا أرى غير حيرة الأشقياء
- ما الذي عندكم من البشر والأفــراح؟ ماذا يا أيّها الزاهدونا؟
- ليس إلا عمر يمرّ حزينايتهاوى كآبة وسكونا
- حدّثوني عنكم فقالوا قلوبنسجت من نقاوة وثراء
- ونفوس صيغت من الزهر والعطــر وهامت مع السّنا والّنقاء
- أين هذا الذي يقولون عنكمأيّها الراهبون؟ أين تراه؟
- اسم (تاييس) لم يزل يملأ الكون فأين الذي أضّلت خطاه؟
- ما نسينا غواية الراهب المســكين في حبّها, وكيف هداها!
- يا له بائسا سما بابنة الإثــم إلى قمّة السماء وتاها
- أيّها الراهبون لن تنبت الأزهار والعطر والسّنا في النفوس
- عبثا تهربون من مغريات الــعيش كم في الوجود من تاييس
- لن تذوقوا شهد السعادة ما دمــتم أناسيّ من تراب وماء
- كتبت هذه الطبيعة للأحــياء أن يكرعوا كؤوس الشقاء
- أو تنسون أنكم لم تزالوامثلما كنتمو حيارى حزانى
- لم تزل فتنة الوجود تناديــكم وتهفيكم إلى ما كانا
- لم تزل ذكريات أمسكم المهــجور تحيا في الأنفس المحزونه
- وخيال من عالم فاتن الألــوان ملء المشاعر المغبونه
- أيها الراهبون ماذا إذن نفــع اعتزال تشوبه الصبوات
- آه عودوا إلى مصارعة الدهــر وعيشوا كما تشاء الحياة
- أيها المعبد الحزين وداعاأنت يا من لاذت به آمالي
- لم أجد في حماك زهرة أحلامي فيا ضيعة السّرى والكلال
- لم أجد زهرة السعادة والأفــراح عند الزهّاد والراهبينا
- آه ضاعت أيّام عمري وما زال شراعي يطوي فراغا حزينا
- عند شط الحياة ألقيت مرسىزورقي في الضباب تحت الظلام
- أرقب السائرين في الشاطىء الصخــريّ بين الوهاد والآكــام
- أين ألقاك يا سعادة ؟هاتيحدّثيني فقد بحثت طويلا
- طال تيهي فنبئيني متى يبــلغ قلبي مقرّك المجهولا
- أو لم أقطع البحار إلى الرهــبان والزاهدين في الصحراء
- أو لم تنكر الفضيلة ألوانك يا لهفتاه ضاع رجائي
المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.