قصيدة
أحاديث الأبواب
أحمد مطر · قافيتها غير موسومة · 222 بيتاً
- (1)(كُنّا أسياداً في الغابة.
- قطعونا من جذورنا.قيّدونا بالحديد. ثمّ أوقفونا خَدَماً على عتباتهم.
- هذا هو حظّنا من التمدّن.)ليس في الدُّنيا مَن يفهم حُرقةَ العبيد
- مِثلُ الأبواب !(2)
- ليس ثرثاراً.أبجديتهُ المؤلّفة من حرفين فقط
- تكفيه تماماًللتعبير عن وجعه:
- ( طَقْ ) !(3)
- وَحْدَهُ يعرفُ جميعَ الأبوابهذا الشحّاذ.
- ربّما لأنـه مِثلُهامقطوعٌ من شجرة !
- (4)يَكشِطُ النجّار جِلدَه ..
- فيتألم بصبر.يمسح وجهَهُ بالرَّمل ..
- فلا يشكو.يضغط مفاصِلَه..
- فلا يُطلق حتى آهة.يطعنُهُ بالمسامير ..
- فلا يصرُخ.مؤمنٌ جدّاً
- لا يملكُ إلاّ التّسليمَبما يَصنعهُ
- الخلاّق !(5)
- ( إلعبوا أمامَ الباب )يشعرُ بالزَّهو.
- السيّدةُتأتمنُهُ على صغارها !
- (6)قبضَتُهُ الباردة
- تُصافِحُ الزائرينبحرارة !
- (7)صدرُهُ المقرور بالشّتاء
- يحسُدُ ظهرَهُ الدّافىء.صدرُهُ المُشتعِل بالصّيف
- يحسدُ ظهرَهُ المُبترد.ظهرُهُ، الغافِلُ عن مسرّات الدّاخل،
- يحسُدُ صدرَهُفقط
- لأنّهُ مقيمٌ في الخارِج !(8)
- يُزعجهم صريرُه.لا يحترمونَ مُطلقاً..
- أنينَ الشّيخوخة !(9)
- ترقُصُ ،وتُصفّق.
- عِندَهاحفلةُ هواء !
- (10)مُشكلةُ باب الحديد
- إنّهُ لا يملِكُشجرةَ عائلة !
- (11)حَلقوا وجهَه.
- ضمَّخوا صدرَه بالدُّهن.زرّروا أكمامَهُ بالمسامير الفضّية.
- لم يتخيَّلْ،بعدَ كُلِّ هذهِ الزّينة،
- أنّهُ سيكونسِروالاً لعورةِ منـزل !
- (12 )طيلَةَ يوم الجُمعة
- يشتاق إلى ضوضاء الأطفالبابُ المدرسة.
- طيلةَ يوم الجُمعةيشتاقُ إلى هدوء السّبت
- بابُ البيت !(13)
- كأنَّ الظلام لا يكفي..هاهُم يُغطُّونَ وجهَهُ بِستارة.
- ( لستُ نافِذةً يا ناس ..ثُمّ إنني أُحبُّ أن أتفرّج.)
- لا أحد يسمعُ احتجاجَه.الكُلُّ مشغول
- بِمتابعة المسرحيّة !(14)
- أَهوَ في الدّاخلأم في الخارج ؟
- لا يعرف.كثرةُ الضّرب
- أصابتهُ بالدُّوار !(15)
- بابُ الكوخيتفرّجُ بكُلِّ راحة.
- مسكينٌ بابُ القصرتحجُبُ المناظرَ عن عينيهِ، دائماً،
- زحمةُ الحُرّاس !(16)
- (يعملُ عملَناويحمِلُ اسمَنا
- لكِنّهُ يبدو مُخنّثاً مثلَ نافِذة.)هكذا تتحدّثُ الأبوابُ الخشَبيّة
- عن البابِ الزُّجاجي !(17)
- لم تُنْسِهِ المدينةُ أصلَهُ.ظلَّ، مثلما كان في الغابة،
- ينامُ واقفاً !(18)
- المفتاحُالنائمُ على قارعةِ الطّريق ..
- عرفَ الآن،الآن فقط،
- نعمةَ أن يكونَ لهُ وطن،حتّى لو كان
- ثُقباً في باب!(19)
- (- مَن الطّارق ؟- أنا محمود .)
- دائماً يعترفون ..أولئكَ المُتّهمون بضربه !
- (20)ليسَ لها بيوت
- ولا أهل.كُلَّ يومٍ تُقيم
- بين أشخاصٍ جُدد..أبوابُ الفنادق !
- (21)لم يأتِ النّجارُ لتركيبه.
- كلاهُما، اليومَ،عاطِلٌ عن العمل !
- (22)- أحياناً يخرجونَ ضاحكين،
- وأحياناً .. مُبلّلين بالدُّموع،وأحياناً .. مُتذمِّرين.
- ماذا يفعلونَ بِهِم هناك ؟!تتساءلُ
- أبوابُ السينما.(23)
- (طَقْ .. طَقْ .. طَقْ )سدّدوا إلى وجهِهِ ثلاثَ لكمات..
- لكنّهم لم يخلعوا كَتِفه.شُرطةٌ طيّبون !
- (24)على الرّغمَ من كونهِ صغيراً ونحيلاً،
- اختارهُ الرّجلُ من دونِ جميعِ أصحابِه.حَمَلهُ على ظهرِهِ بكُلِّ حنانٍ وحذر.
- أركَبهُ سيّارة.( مُنتهى العِزّ )..قالَ لنفسِه.
- وأمامَ البيتصاحَ الرّجُل: افتحوا ..
- جِئنا ببابٍ جديدلدورةِ المياه !
- (25)- نحنُ لا نأتي بسهولة.
- فلكي نُولدَ،تخضعُ أُمّهاتُنا، دائماً،
- للعمليّات القيصريّة.يقولُ البابُ الخشبي،
- وفي عروقه تتصاعدُ رائِحةُ المنشار.- رُفاتُ المئات من أسلافي ..
- المئات.صُهِرتْ في الجحيم ..
- في الجحيم.لكي أُولدَ أنا فقط.
- يقولُ البابُ الفولاذي !(26)
- - حسناً..هوَ غاضِبٌ مِن زوجته.
- لماذا يصفِقُني أنـا ؟!(27)
- لولا ساعي البريدلماتَ من الجوع.
- كُلَّ صباحيَمُدُّ يَدَهُ إلى فَمِـه
- ويُطعِمُهُ رسائل !(28)
- ( إنّها الجنَّـة ..طعامٌ وافر،
- وشراب،وضياء ،
- ومناخٌ أوروبـّي.)يشعُرُ بِمُنتهى الغِبطة
- بابُ الثّلاجة !(29)
- - لا أمنعُ الهواء ولا النّورولا أحجبُ الأنظار.
- أنا مؤمنٌ بالديمقراطية.- لكنّك تقمعُ الهَوام.
- - تلكَ هي الديمقراطية !يقولُ بابُ الشّبك.
- (30)هاهُم ينتقلون.
- كُلُّ متاعِهم في الشّاحِنة.ليسَ في المنـزل إلاّ الفراغ.
- لماذا أغلقوني إذن ؟!(31)
- وسيطٌ دائمٌ للصُلحبين جِدارين مُتباعِدَين !
- (32)في ضوء المصباح
- المُعلَّقِ فوقَ رأسهِيتسلّى طولَ الليل
- بِقراءةِكتابِ الشّارع !
- (33)( ماذا يحسبُ نفسَه ؟
- في النّهاية هوَ مثلُنالا يعملُ إلاّ فوقَ الأرض.)
- هكذا تُفكِّرُ أبواب المنازلكُلّما لاحَ لها
- بابُ طائرة.(34)
- من حقِّهِأن يقفَ مزهوّاً بقيمته.
- قبضَ أصحابُهُمن شركة التأمين
- مائة ألفِ دينار،فقط ..
- لأنَّ اللصوصَخلعوا مفاصِلَه !
- (35)مركزُ حُدود
- بين دولة السِّرودولة العلَن.
- ثُقب المفتاح !(36)
- - محظوظٌ ذلكَ الواقفُ في المرآب.أربعُ قفزاتٍ في اليوم..
- ذلكَ كُلُّ شُغلِه.- بائسٌ ذلك الواقفُ في المرآب.
- ليسَ لهُ أيُّ نصيبمن دفءِ العائلة !
- (37)ركّبوا جَرَساً على ذراعِه.
- فَرِحَ كثيراً.مُنذُ الآن،
- سيُعلنون عن حُضورِهمدونَ الإضطرار إلى صفعِه !
- (38)أكثرُ ما يُضايقهُ
- أنّهُ محروممن وضعِ قبضتهِ العالية
- في يدِ طفل !(39)
- هُم عيّنوهُ حارِساً.لماذا، إذن،
- يمنعونَهُ من تأديةِ واجِبه ؟ينظرُ بِحقد إلى لافتة المحَل:
- (نفتَحُ ليلاً ونهاراً) !(40)
- - أمّا أنا.. فلا أسمحُ لأحدٍ باغتصابي.هكذا يُجمِّلُ غَيْرتَه
- الحائطُ الواقف بينَ الباب والنافذة.لكنَّ الجُرذان تضحك !
- (41)فَمُهُ الكسلان
- ينفتحُوينغَلِق.
- يعبُّ الهواء وينفُثهُ.لا شُغلَ جديّاً لديه..
- ماذا يملِكُ غيرَ التثاؤب ؟!(42)
- مُعاقٌيتحرّكُ بكرسيٍّ كهربائي..
- بابُ المصعد !(43)
- هذا الرجُلُ لا يأتي، قَطُّ،عندما يكونُ صاحِبُ البيتِ موجوداً !
- هذهِ المرأةُ لا تأتي، أبداً ،عندما تكونُ رَبَّةُ البيتِ موجودة !
- يتعجّبُ بابُ الشّارع.بابُ غرفةِ النّوم وَحدَهُ
- يعرِفُ السّبب !(44)
- ( مُنتهى الإذلال.لم يبقَ إلاّ أن تركبَ النّوافِذُ
- فوقَ رؤوسنا.)تتذمّرُ
- أبوابُ السّيارات !(45)
- - أنتَ رأيتَ اللصوصَ، أيُّها الباب،لماذا لم تُعطِ أوصافَـهُم ؟
- - لم يسألني أحد !(46)
- تجهلُ تماماًلذّةَ طعمِ الطّباشير
- الذي في أيدي الأطفال،تلكَ الأبوابُ المهووسةُ بالنّظافة !
- (47)- أأنتَ متأكدٌ أنهُ هوَ البيت ؟
- - أظُن ..يتحسّرُ الباب :
- تظُنّ يا ناكِرَ الودّ ؟أحقّاً لم تتعرّف على وجهي ؟!
- (48)وضعوا سعفتينِ على كتفيه.
- - لم أقُم بأي عملٍ بطولي.كُلُّ ما في الأمر
- أنَّ صاحبَ البيتِ عادَ من الحجّ.هل أستحِقُّ لهذا
- أن يمنحَني هؤلاءِ الحمقىرُتبةَ ( لواء ) ؟!
- (49)ليتسلّلْ الرّضيع ..
- لتتوغّلْ العاصفة ..لا مانعَ لديهِ إطلاقاً.
- مُنفتِح !(50)
- الجَرسُ الذي ذادَ عنهُ اللّطمات ..غزاهُ بالأرق.
- لا شيءَ بلا ثمن !(51)
- يقفُ في استقبالِهم.يضعُ يدَهُ في أيديهم.
- يفتحُ صدرَهُ لهم.يتنحّى جانباً ليدخلوا.
- ومعَ ذلك،فإنَّ أحداً منهُم
- لم يقُلْ لهُ مرّةً :تعالَ اجلسْ معنا!
- (52)في انتظار النُزلاء الجُدد..
- يقفُ مُرتعِداً.علّمتهُ التّجرُبة
- أنهم لن يدخلواقبل أن يغسِلوا قدميهِ
- بدماءِ ضحيّة !(53)
- ( هذا بيتُنـا )في خاصِرتي، في ذراعي،
- في بطني، في رِجلي.دائماً ينخزُني هذا الولدُ
- بخطِّهِ الرّكيك.يظُنّني لا أعرف !
- (54)(الولدُ المؤدَّب
- لا يضرِبُ الآخرين.)هكذا يُعلِّمونهُ دائماً.
- أنا لا أفهملماذا يَصِفونهُ بقلَّةِ الأدب
- إذا هوَ دخلَ عليهمدون أن يضربَني ؟!
- (55)- عبرَكِ يدخلُ اللّصوص.
- أنتِ خائنةٌ أيتها النّافذة.- لستُ خائنةً، أيها الباب،
- بل ضعيفة !(56)
- هذا الّذي مهنتُهُ صَدُّ الرّيح..بسهولةٍ يجتاحهُ
- دبيبُ النّملة !(57)
- ( إعبروا فوقَ جُثّتي.إرزقوني الشّهادة.)
- بصمتٍتُنادي المُتظاهرين
- بواّبةُ القصر !(58)
- في الأفراح أو في المآتمدائماً يُصابُ بالغَثيان.
- ما يبلَعهُ، أوّلَ المساء،يستفرغُهُ، آخرَ السّهرة !
- (59)اخترقَتهُ الرّصاصة.
- ظلَّ واقفاً بكبرياءلم ينـزف قطرةَ دَمٍ واحدة.
- كُلُّ ما في الأمر أنّهُ مالَ قليلاًلتخرُجَ جنازةُ صاحب البيت !
- (60)قليلٌ من الزّيت بعدَ الشّتاء،
- وشيءٌ من الدُّهن بعد الصّيف.حارسٌ بأرخصِ أجر !
- (61)نحنُ ضِمادات
- لهذه الجروح العميقةفي أجساد المنازل !
- (62)لولاه..
- لفَقدتْ لذّتَهامُداهماتُ الشُّرطة !
- (63)هُم يعلمون أنهُ يُعاني من التسوّس،
- لكنّ أحداً منهملم يُفكّر باصطحابِهِ إلى
- طبيب الأسنان !(64)
- - هوَ الذي انهزَم.حاولَ، جاهِداً، أن يفُضَّني..
- لكنّني تمنَّعْتُ.ليست لطخَةَ عارٍ،
- بل وِسامُ شرَف على صدريبصمَةُ حذائه !
- (65)- إسمع يا عزيزي ..
- إلى أن يسكُنَ أحدٌ هذا البيت المهجورإشغلْ أوقات فراغِكَ
- بحراسة بيتي.هكذا تُواسيهِ العنكبوت !
- (66)ما أن تلتقي بحرارة الأجساد
- حتّى تنفتحَ تلقائيّاً.كم هي خليعةٌ
- بوّاباتُ المطارات !(67)
- - أنا فخورٌ أيّتُها النافذة.صاحبُ الدّار علّقَ اسمَهُ
- على صدري.- يا لكَ من مسكين !
- أيُّ فخرٍ للأسيرفي أن يحمِل اسمَ آسِرهِ ؟!
- (68)فكّوا قيدَهُ للتّو..
- لذلكَ يبدومُنشرِحَ الصَّدر !
- (69)تتذمّرُ الأبواب الخشبيّة:
- سَواءٌ أعمِلنا في حانةٍأم في مسجد،
- فإنَّ مصيرَنا جميعاًإلى النّار !
- (70)في السّلسلةِ مفتاحٌ صغيرٌ يلمع.
- مغرورٌ لاختصاصهِ بحُجرةِ الزّينة.- قليلاً من التواضُعِ يا وَلَد..
- لولايَ لما ذُقتَ حتّى طعمَ الرّدهة.ينهرُهُ مفتاحُ البابِ الكبير!
- (71)يُشبه الضميرَ العالمي.
- دائماً يتفرّج، ساكتاً، على ما يجريبابُ المسلَخ!
- (72)في دُكّان النجّار
- تُفكّرُ بمصائرها:- روضةُ أطفال ؟ ربّما.
- - مطبخ ؟ مُمكن.- مكتبة ؟ حبّذا.
- المهمّ أنها لن تذهبَ إلى السّجن.الخشَبُ أكثرُ رقّة
- من أن يقوم بمثلِ هذه المهمّة !(73)
- الأبوابُ تعرِفُ الحكايةَ كُلَّهامن ( طَقْ طَقْ )
- إلى ( السَّلامُ عليكم.)
المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.