قصيدة
كلمات غير موزونة لأرض أفقدتنا الإتزان
أحلام مستغانمي · قافيتها غير موسومة · 72 بيتاً
- المذكّرة الأولى:إنفجري يا خارطة العالم المنهار
- انفسي التضاريس الملكيّة، وحطّمي كراسي الكارتون المستوردافتحي أبواب المحتشدات والسجون
- دعي الجموع الجائعة تشبعودعي الفقراء يملأون جيوبهم شمساً
- ابعدي العملاء عن مسيرة المتمردينفأقدام الأقزام لم تخلق لتواكب الثوّار
- طويلة ليالي هذه المواسممظلمة ساعات هذه الأيام
- ونحن لسنا بالأموات ولسنا بالأحياءالموت والحياة تآمر علينا
- تحركي واجعلينا نموت أو نحي بزلزالانسفي الحدود والجمارك، ولتحرق تأشيرات الدخول والخروج
- فنحن حولكنطوّقك باسم الذين جاؤوا من عندك لاجئين
- وباسم الذين يعودون إليك شهداء أو فدائيينباسم رفيق نسفت روحه داخل سيارة
- باسم رفيق وصله الموت في هديةوآخر في غرفة نومه ببيروت
- من أجل الهمشري وبن بركة.. وغسان.. وكمال ناصر.نحن نلتف حولك
- ننبت على صدرك مع كروم الخليل وتمور العراق وقطن مصر..والرفض معنا باق
- بقاء نهر بردى وجبال الاوراس وصحراء سيناء.. وخليجنا.نحن هنا
- الكثير منّا موزّع بين أقبية الموت المنسية والمحاكم العسكريّةأبطالنا لا يصلون السجون لأنهم يموتون في غرف التعذيب
- ولكن ثورتنا لن تهدأونهر الأردن لن يستريح
- حين أصبحت رائحة الأرض عطرنا المفضلأصبح لون التراب أجمل من لون العيون
- وأصبحت كل الطرق تؤدي إليك***
- المذكرة الثانية:حين أصبحتِ شهية كالحزن
- كالفرح المؤقتكالجنون
- صرت أخشى أن أحرق خريطتك في لحظة انهيارلم يكن (نيرون) مجنوناً
- كان فقط يحب (روما) بطريقة جديدة لم يتعوّدها العشاقالمتقاعدون
- اتّهم بالجنون.. لأنه أحرق حبيبتهمن سنين أنام وأنا أحلم أن أستيقظ ذات يوم على ألسنة اللهيب
- أقرأ كل صحفك بكل اللغاتأقرأ عناوينك الحمراء.. وعناوينك السوداء
- ابحث عنكِ في صفحة الأموات وفي صفحة الأحياءفلا أجدك هنا، ولا هناك
- ***ذات مرة لقيتك وكنت في (برلين) .. سائحة حزينة
- كان رفيق يضع على صدري صورة (اميكال كابرال)وكنتِ تمرين أمامي وسط استعراض للشبيبة العالمية في
- ذلك الملعب الدوليحين وقفت لتحيّتك كانت شفقتي عليك أكبر من شوقي إليك.
- ولكنني ألقيت لك بآخر زهرة وهتفت مع الرفاق(بالروح.. بالدم.. حنكمل المشوار)
- كانت رفيقتي من (بورتوريكو) تحدثني عن المطارداتالبوليسية، وتكشف للطبيب عن آثار الضرب على جسدها..
- وكنت أرحل نحو ملامحك المتعبةأغمض عيون موتاك الذين لا تزال عيونهم مفتوحة في غرف
- التعذيب، وأجمع رؤوس رفاقي من ساحات الإعدامكان البعض يتاجر بلحية (شي غيفارا) وتسريحة (انجلا)
- وحطة (ليلى خالد)كنت الثورة لقباً يشترى على رصيف
- كنت اللوحة التي تباع في المزاد العلنيولكنك أرخص من سيجار (شرشل) وحلي (ماري انطوانيت)
- في ذلك المساء كتبت لك خطاباً من أحد مستشفيات برلينلا أذكر ما قلت لك فيه
- فقد أفقدني الحزن ذاكرتي***
- المذكّرة الثالثة:أحاول أن أنسى أن لي وطناً
- أتوزّع في شوارع العالم وفنادقهأحاول أن أضيع مكانه على الخارطة
- ولكننا في موسم الترحالتهاجر الطيور نحو السماء الأولى
- وتعود الأسماء إلى المياه الأموترجع الأوراق إلى الشجر
- ويتبخر الماء عائداً إلى السماءأحاول أن أنساك، ولكننا في موسم الترحال
- وعندما أرى رحلة الكائنات نحو حضنها الأولأشعر بالحنين إليك، فأنت حضني الوحيد
- الحضن الذي وهبني الحياة ولم يحضني بعدها أبداًأحاول أن أعود نحوك مع مواكب الكائنات المهاجرة
- ولكنني أقع قبل أن أصل إليكآلاف الحدود بيننا.. وآلاف الجمارك
- وأنا أسافر نحوك وملامحك بين أشيائي الصغيرةأخبئها كما نخبأ البضاعة المحظورة
- أخشى أن يكتشفها أحدهم فيحتجزني ولا أكون مع العائدينولكنك شيء لا يخبأ
- كنت حاملاً بك..وكان حزني قد جاوز الشهر التاسع
- لذلك حجزت في كل جمارك العالم، وقضيت عمري فيمحطات القطار..
- وهناك،يحدث أن أغضب واعرض ما تبقى عندي من ملامحك للبيع
- أعرضها على السوّاح عسى أحدهم يخلّصني من حملكلكنهم لا يتوقفون أبداً جميعهم مسرعون نحو الحضن الأول
- بالأمس عرضت على واحد من (الهيبيين) أن يأخذك هديةمني..
- سألني إن كنت زهرة.. أو منديلاً يربط حول الرأسقلت له إنك معطفي الوحيد
- فقال لي: نحن قلما نشعر بالبردوكانت المدن الجليدية تزحف نحوي، وكنت لا زلت في يدي
- فافترشتك،ونمت في محطة القطار
- ***المذكرة الرابعة:
- أكره أن ألتقي بك في نشرة الأخبارأصبحت أكره أن أسمعك تنتحرين على الأمواج الطويلة
- والقصيرةوجهك المشوّه لا يخيفني
- أنا أعرف الكثير عنكأعرف حتى أعضاءك المشلولة وأعضاءك المستعارة
- أعرف كيف تحاول عناوين الجرائد اليومية أن تتمدد علىجسدك، لتخفي عيوبك، وتخدع الطيبين ليذهبوا للموت تحت رايتك
- رأيتك عاريةلم تكوني في طريقك إلى الحمام
- ولا كنت متّجهة نحو البحر(النظافة من الايمان) أصبحت مع الأيام كلاماً فارغاً
- عندما نجح القذرون في خداع البسطاءوالسباحة لم تكن يوم هوايتك
- كنت أتصور حتى ذلك اليوم أن هوايتك الوحيدة جمع الآثار،وتبادل الآراء حول كتب الأزمان الغابرة.
- لذلك أهديتك مكتبتي التاريخية، وحفظت أيام العرب ومعلقاتهموجئت أقصّها على (ابي الهول) و (قاسيون)
- لا زلت أذكر ذلك اليوم الذي رأيتك فيه لأول مرة تتعرينلم تقفي في ديكور مثير
- ولا استنجدت بالأضواء الخافتةولا نزعتِ أثوابك الداخلية قطعة قطعة، كما تفعل راقصات
- (الستريبيتيز).كل شيء عندك وقع فجأة.. وخارج علب الليل
- تعرّيت فجأةورأيتك فجأة
- وتحدثت كل الجرائد بعدها أن عمان تدفن خمسة وعشرين ألف فلسطينيخمسة وعشرون ألفا تعوّدنا بعد ذلك أن نذكرهم بالجملة.
- غريب أن يتعوّد الانسان بسرعة على الأرقام الكبيرة، وينسىأن كل رقم هو نهاية حياة
- حاولي يا عمّان أن تتصوري عيون هؤلاء الخمسةوالعشرين ألفاً وهم يموتون
- في عيونهم فقط تقرأين مرارة الأرقامكانوا يحلمون ببيتوتهم خلف الضفة، حين أغرقتهم..
- وقتها فقط اكتشفت هوايتك الأخيرةوأدكت سر تجوالك عارية.. ونحن في أيلول..
المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.