قصيدة
قبل أن يسقط الرمز
أحلام مستغانمي · قافيتها غير موسومة · 25 بيتاً
- تصوّرت وأنا أطأ تلك الأرض العربية.. للمرة الثانية. أنني تركتأفكاري المضادة عند الجمارك. وكآلاف السواح سآخذ حمام شمس،
- وأحتسي كثيراً من الشاي وأعود بحقائب مملوءة عباءات.ولكنني وجدت نفسي كالمرة الأولى، عاجزة عن أن أكون مجرد سائحة.
- خاصة وأنني في هذه المرة سأقضي أياماً في ضيافة العائلة المالكة.أي مغامرة كانت أن أتخلى مرة واحدة عن كل ما أؤمن به.
- أن أتناول غذائي وخلفي زنجيان بقفازات بيضاء يحرمانني حتى لذة تقطيع الخبز بيدي.أن آخذ حمام شمس في شاطئ خاص، يراقبه ما يقارب الخمسة عشر
- حارساً، وكأنني جاكلين في الجزيرة التي أهداها إيّاها زوجها الراحلأوناسيس.
- أن أستمع إلى أي أغنية أريدها بصوت المغني نفسه وبإبداع أو بتصنّعأكثر.
- كان عمري عشرين سنة، وكنت أرى وجودي في ذلك القصر محضفضول طفولي.
- كنت في أعماقي أحتقر كل الفنانين الذين التقيت بهم في تلك الظروف.تناقشت بعدها مع أحدهم. كان يعتقد انه (ملتزم).
- قال مبرراً وجوده هناك "ما رأيك بعبد الحليم؟ إنه في هذه اللحظة يغنيفي القصر الآخر!".
- قلت "قد أغفر لعبد الحليم لأنه ليس من هذا البلد.. هو لا يغادر القصرليرى الشعب.. ثم أنه ملتزم أولاً برد جميل الملك! أما أنت فتعرف شعبك
- أكثر منّا وتعرف ما يريد".كان هذا أول نقاش لي. سألني آخر بعدها.. ما الذي يزعجني في هذا
- البلد الرائع؟ قلت "ربما أفكاري.. أنا لست ملكية!".أجاب بهدوء "لا تنزعجي كثيراً إذن.. فلكل بلاد ملكها. كلّ من لا يمكن
- توجيه الإنتقاد إليه.. هو ملك".كان على صواب.. لكنني لم أستسلم.
- قال أخيراً "هذه مشاكل ستحلّ بتحرير أرضنا"، قلت" بل بتحرير الإنسانأولا".
- تذكرت فجأة عندما منذ عام، كنت أمرّ بمدينة في ذلك البلد المجاور، وإذبسيارة تتوقف، وجموح الفلاحين يسرعون نحوها ليلثموا يد رجل ينزل
- منها ويمدّ يده نحوهم بكل برودة وتجاهل..قبلها كنت أتحدث كثيراً عن الثورة.
- يومها ما كان بإمكاني تغيير شيء في ذلك الموقف، فأفكاري لن تمنحرغيفاً لفقير. ولا هي سترد الكرامة لرجل مهان. ما عاد يكفي أن نثور..
- يجب أولاً أن نخلق الإنسان الذي يحمي الثورة.قررت أخيراً أن أصمت.
- ولكن بدأ صراع جديد عندما طالبني أحدهم في سهرة أن (أنشد) شعراً.وسرعان ما أصبح الأمر مطلباً جماعياً يقتضيه السمر.
- قلت جادة: "لا أكتب شعراً يليق بهذه المناسبات"أحتجّ البعض مطالباً بأية قصيدة حب.
- قلت أنني لم أكتب شعراً في الحب.طالبوني بإرتجال قصيدة "عنهم".. ضحكت.
- آخر قصيدة كتبتها، كان موضوعها الجنود الذين ارسلوا إلى الحدودلأسباب غير حربية.
- لو قرأتها عليهم ماذا كان يمكن أن يحدث!لا شيء ربما..
- لن أموت ولن أسجن، فقط سيظنون أنني جننت لأنتقد حاكماً في قصره.أخيراً قرأت عليهم قصيدة رمزية، فهمها كل واحد كما أراد.
- أدركت يومها أن الرمزية خيانة لأنها جبن. أضفت إسمي إلى قائمةالمبدعين الذين أحتقرهم. وكان عليّ أن أرحل قبل أن ينكشف الرمز!
المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.