قصيدة
رسائل
أحلام مستغانمي · قافيتها غير موسومة · 82 بيتاً
- إلى الفدائي الذي منحني كلّ الأسماء...إلا إسمه!
- ***من أين عاد وجهك إليّ هذا المساء؟
- كيف أطلّ وسط هذا الحزن الخريفيأكتب إليك وخلف شباكي تبكي السماء. وفي ذاكرتي صور كثيرة لنا في
- كل المواسم.تصوّرت قبل اليوم أنني قد أستقبل الفصول معك.
- يبدو أنني سأظلّ أستقبلها وحدي.لا زلت أجوب شوارع التاريخ
- أبحث عن وجهي الضائع الملامح في وجوه السواح والغرباءفي وجوه الثوار والزعماء.
- ذاكرتي عشرات الرجال من كل قارات العالم.جسدي لم تبق عليه مساحة صغيرة لم تتمرغ عليها شفاه رجل.
- تغرّبت بعدك كثيراًفي غربتي الكبرى يحدث أن أجمع أحزاني على كفيك وانتظر المعجزة.
- يحدث أن أسرق منك قبلة وأنا أسير في المدن البعيدة مع غيرك.يحدث أن أتسلل معك نحو عنب الخليل.. أن أزحف معك على الأرض الطيبة.
- وأسقط إلى جوارك متعبة.أيمكن لقلبك أن يحملني عندما يجب أن يخف الحمل!
- أيمكن أن نحقق هناك كل الأحلام التي لم تكتمل؟كم كنت حزينة بعدك
- ولكن صورتك وحدها سافرت وعادت معيصورتك وحدها نامت معي في فنادق العالم
- وشفتاك وحدهما اللتان أرتعش لهما جسديذات مرة أتاني صوتك من بعيد
- كنت سائحة غريبة في بلد غريبحاولت أن أراك كما أردتك أن تكون
- وكانت سماء حيفا ماطرة.. ولم أكن هناكفحسدتك.
- أيلول 1973***
- كبر الحزن أيها الرفيقفي هذه المدينة لا يأتي الصيف أبداً
- الرياح لا تفارق السماءوأنا متعبة
- عندما تغلق كل الأبوابأرتدي أحلى فساتيني وأجلس لأكتب إليك
- أيلول 1973***
- تتحدث اليوم آخر الأخبار عن الكيلومتر 101يتحدّثون طويلاً عن رقم لم يكن في ذاكرة الشهداء
- لأن الماء يغلي في درجة المئة وأنا أصبحت أغلي بدرجة المئة وواحد.سأخلع أحلى فساتيني وأكتب إليك عارية
- سعداء أولئك الذين ماتوا وهم يعتقدون أنهم تجاوزوا المئة وواحد ومنحونارقماً مطلقاً
- سأكتب شيئاً عظيماً هذا المساءظروفي تساعد على الجنون
- أكتوبر 1973***
- لا زلت أشتري الجريدة كل صباح بحكم العادةلا زالت القاهرة تتردّد وبغداد ترفض ودمشق تقاوم وعمّان تتفرّج
- وبيروت ترقصولا زلت أكتب إليك عارية
- أكتوبر 1973***
- هذا المساء وأنا أغادر الجامعة، جرّتني مظاهرة طلابية إلى شارعالعربي بن مهيدي.
- كنت في حاجة إلى أن أصرخ.. حتى يغمى عليّتذكرت أحد الأحلام، تمنيت لو نزل لحظتها مئة مليون عربي إلى
- الشوارع، لو زحف ملايين الشباب نحو كراسي الخونة.لو أنّ القصور العربيّة نُسفت في لحظة واحدة
- لو أن التاريخ بدأ من شارع الشهداءلو مثلهم قلنا (لا)
- ولكن.. كنت فقط أهتف مع الشباب(بالروح .. بالدم.. حنكمل المشوار)
- وكنت أبكيأكتوبر
- ***يخال لي أن الحرب انتهت
- رغم أن عناوين الجرائد لا تزال تحافظ على حجمها الكبيرولونها الأحمر
- أنا لا أنتظر شيئاً على الاطلاقنوفمبر
- ***أصبح الآن مؤكداً أن الحرب انتهت
- لقد تبادلنا الأسرى والموتى والفرح والتعازي والشتائموالشعارات والتهم..
- وكثرت الأوسمة على الصدورديسمبر
- ***أسأل نفسي هذا الصباح أين يمكن أن تكون..
- كلما تذكرت آخر لقاء لنا شعرت بالخوف عليكأعيد قراءة رسالتك الوحيدة
- أتوقف عند الجملة الأولى (أنت مفاجأة جميلة، شعرك الأسود بقدر حقديالتاريخي يشكّل هالة قدسيّة على ملامحك الأبديّة).
- ربما كان هذا أجمل ما قلت ليوبعدها .. لا شيء
- قلت انك تدمن احتساء الصمت والدخان والنبيذفهمت أنّك قد لا تكتب إليّ بعد الآن من الجزائر
- آخر مرة التقينا فيها كانت رأس السنة الماضيةجلسنا في مقهى نتحدّث عن الحب.. والحرب والزواج..
- كنت أحبّك.. وكنت حزينة ككل بداية سنةتمنيت لو انتميت إليك
- كان عمري عشرين سنةخفت ألا أنتمي لشيء بعدك
- كنت تمثل عندي قمة الرفض والثورة، وكان يمكن أن تكون بداية شيءرائع في حياتي
- ولكن خرجناكنت تقول: "أنا أيضاً.. أشعر هنا أنني لا أنتمي لشيء لهذا يجب أن
- أرحل".سألتك:
- - أيّ الفترات كنت فيها أكثر سعادة؟قلت:
- - عندما كنت أحمل شيئاً آخر غير الجرائد!..- وماذا صنعت؟
- - حاولت أن أهب هوية للأطفال الذين ولدوا غرباء عن العالم.وخرجنا.
- التقينا بصديق أخبرنا أنّ أحدهم قد انتحر بالأمس.عمّ الصمت.
- كان المنتحر رسّاماً مغربياً حاول أن يوقّع على لوحة حياته توقيعاً حزيناً،فانتحر.
- كان طيباً.ما كانت له من هواية عدا التنفّس.
- كانوا يعرفون خطورة التنفس عندما يبدأ هواية ويتحول فجأة إلى مبدأ.كانوا يعرفون ذلك، فألقوا بالغازات السامة، ملأوا بها سماء البلد الطيب
- وهاجر الفنان يبحث عن أوكسجين.جاءنا.. ولكنه ما استطاع الحياة بعيداً عن السماء الأولى.
- فقد اكتشف فجأة أنه نسي رئتيه هناكفانتحر.
- كان الناس يمرون أمامي مسرعينبعضهم يجوب الشوارع بلا هدف. وكنت أسير بينهم.
- أبحث في ملامحهم عن شيء، ربما عن ملامح الشاب المغربي.تساءلت وأنا أراهم: أيستحق هؤلاء أن يموت أحد من أجل قضاياهم؟!
- مات الفنان! (فتاة ببنطلون ضيّق تنتظر قادماً لا يأتي)أحقاً مات! (عجوز تسأل بائع الخضر.. إذا كانت أزمة البصل قد
- حلّت).قلت ذلك لصديق، فأجابني: يجب أن نحلّ قضايا الجماهير أولاً. أن
- نجعلها تشبع، تحتمي بسقف، وتلبس، وتحلم. وعندها فقط يصبح بإمكانهاأن تفكر في القضايا الكبرى.
- لا يمكن أن تسألي إنساناً يكاد يغطيه الطوفان:لماذا لا يحتمي بمظلّة عند سقوط المطر؟ لنخرجه أولاً من الطوفان!
- عدت إلى الجامعة وأنا أحاول أن أتخيّل كميّة المياه الهائلة التي تغرقنايومياً.
- قلت لي قبل أن نفترق "اليوم أصبح كل أصدقائي بين شهداء ومساجينومنتحرين، وحدي رفضتني السجون وكلما كان لي موعد مع الموت لم
- يحضر".سألتني فجأة..
- - أتحبين الموت؟قلت:
- - لا أعتقد.. لكنني لا أخافهعلّقتَ:
- - لن تكوني فدائية حتى تحبينهوافترقنا.
- مرّ عام على ذلك اللقاء. ذلك الفراق.ولا زلت أسأل عنك الرفاق. ربما لأقول لك فقط، أنني بدأت أحبّه.
- لا زالت صديقاتي في الجامعة يسألنني عنكقلت لاحداهن، أنك فدائي ولم تحضر إلى الجزائر كي تقيم بيننا.
- ضحكت، لأنّها لم تتصوّر فدائياً في وسامتك. ربّما لم تصدقني.أظنّها تأثّرت بـ (جمهورية) أفلاطون.. فهي ترى أنّ الحرب خلقت
- لتخلّص البشرية من القبيحين والمرضى وضعاف البنيّة.نجحت في إقناعها بأنّ شي غيفارا أيضاً كان وسيماً، وأنّه لو عمل في
- السينما لحطم أسطورة عمر الشريف.وأنّ ليلى خالد لم تكن أقلّ جاذبية من جورجينا رزق.
- ولكنها قامت بثلاث عمليّات لتشويه وجهها، كي تتمكن من مواصلةمهمتا، أي شجاعة هذه!.. لا أذكر أن امرأة عبر التاريخ شوّهت وجهها
- قصداً، كي تخدم قضيّة. لا جان دارك ولا جميلة ولا أنجيلا، غير أننيأذكر مبالغ خيالية كانت تدفعها ماري أنطوانيت من أجل ثوب سهرة
- جديد. وأرقاماً أكثر جنوناً تدفعها مدام أوناسيس أرملة كينيدي سابقاًوأرملة أوناسيس حديثاً كي تظل أنيقة وتبقى بشرتها ناعمة ويبدو فمها
- أقل إتساعاً. ومبالغ أخرى لا تقل جنوناً تدفعها أميرات عربيات وزوجاتحكّام من أجل حفنة لؤلؤ نادر أو قارورة عطرٍ فريد.
- ألا ترى أنّه أصبح ضروري أن أحبّ الموت!
طول القصيدة
- 1
- 2
- 4
- 6
- 9
- 14
- 19
- 29
- 49
- 79
- 516
82 بيتاً. شريحتها 1% من المتن، ودونها 99%.
المقام: 54,927 قصيدة، والتغطية 100%. الرقم تحت كل عمود أعلى شريحته، وعدد الأبيات الموسوم يطابق عدّ الأبيات المخزّنة في كل قصيدة.
المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.