قصيدة
مرارات
قاسم حداد · قافيتها غير موسومة · 34 بيتاً
- مررنا بهمأسرى مثل أقفاصٍ تحرس الأجنحة
- يذودون عن أرواحهم بالمراراتتحت آباطهم مفاتيح تصدأ
- وفي أحداقهم ما يشبه القناديلضوءٌ شاحبٌ في عاصفة
- لجوعهم أنينٌ مثل جوقة الكهنةنسمع حَـكَّ الحديد في أخماص أقدامهم
- مررنا بهمفانتابنا زفير المجامر
- لهم رائحة الزبد الطائش من أشداق الخيولمجدولو الذوائب
- تتدلى على أكتافهم صناجات تطردُ ذريعة الفراريضعون ذاكرتهم في رماد بارد
- وبين أيديهم كتبٌ تتضرع لشجاعة الصلاة.كلما قام منهم شخصٌ تساقطت أعضاؤه
- مثل شجرة تسبق الخريفظهورهم موشومة بأشكال الساعات
- بعقارب ترصدُ المواقع وتحرس المدنمررنا بهم
- يشخصون إلينا بأحداق تطلع منها طيورٌ عمياءنكسر في وجوههم الشمس بالمرايا
- فلا يرفُّ لهم جفنٌ ولا تتهدّل أهدابهميتفصّد الرخام من مقلهم
- وينبثق كأنه الحممكلما ظننا لهم شكلاً
- طاحَ قناعٌ لندرك قناعاً آخر خلفهمررنا بهم
- نحمل المديحَ الفادحفإذا بالمراثي تقصرُ عن وصفهم
- مصابون باحتدام الجيوش تحت جلودهمدون أن تكفَّ دورة الدم في الزجاج
- مررنا بهمصرعى صراعاتهم
- زرعوا أشلاءهم بزهرة الكباريتفلم يدركوا غير براثن الجليد
- تنغرس في عاجهم العاريانتهبوا خريطةَ الناس
- واقتتلوا عند اقتسام الأسلابجديرون بما يجعل الرحيل تحية البحر
- وقلق السفن وقلادة المسافرينجديرون
- والوقت وشم على ميزانهمومن أضلاعهم يأخذ الاسطرلاب أشكاله الغامضة
- مررنا بهميعبّون طحلباً فاسداً من قصعاتهم
- ويسفّون الرملَ بلهفة العطشيتحاجزون بمهج الناس
- ويتقاذفون بالمواعيننطرح الأسئلة عليهم
- فتفوح من أفواههم الأبخرةويطفر الكلام بلا دلالة ولا معنى
- وكلما اقتربنا من بياض أحداقهمصفعتنا أجنحة بلهاء
- تطرد الهواء لئلا يوقظ طبيعة الطيرمررنا بهم
- مثلما تمر الثواكلُ على قبور المفقودينليسوا من القتلى
- و لا يصدّون اللوعة عن أفئدة النساءمررنا بهم
- نفضحهم بذاكرة المستحيلجمعنا لهم القرائن كي يكفّوا عن الموت
- مدحنا لهم الغياب بفصاحة الصمتكي يدركوا الفرق بين القواميس وقناديل الطريق
- فلم يلتفتوا ولم يصغوا لوقع مرورنا الصاخبكُـتبنا تتشبث بأخبارهم
- وهم يتقفّصون على أنفاسهم الأخيرة.
المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.