قصيدة
طفولة
كريم معتوق · قافيتها غير موسومة · 68 بيتاً
- اللوحة العاشرة...
- ما الذي أبكاكَ في هذا المساءْخشبُ السقفِ أم الألواحُ
- أم أنَّ البكاءْدائماً يأتيكَ من غير اختيارٍ
- كُلَّما جاءَ الشتاءْوتغنيتَ وكانَ البَرَدُ الشادي
- على السقفِ غناءْإنني وحدي وظلِّي
- خوفَ أن ينهارَ سقفُ البيتِللهِ أصلّي
- والرجاءْ ..أن يفي بالوعدِ هذا المطرُ الهاطلُ
- فالأرضُ لهُ عَطْشىوسقفُ البيتِ ماعادَ له حِملٌ
- وقدْ كانَ الدعاءْحينما مرَّ جفافُ الأرضِ بالأمسِ
- وللأرضِ اشتهاءْللمراعي والبذورْ
- وإذا ما أطْرَقَ الصيفُ على أوجاعِها العطشىعلى أشدْاقها اخْضرَّتْ نذورْ
- عَبَرَ الماءُ من السقفِ وثبنا بارتباكٍثم سطَّرنا القدورْ
- فوق فَرشِ البيتِفالصوفُ إذا ابْتَلَّ
- تَمطى عَفَنَاً طعماً لذا كانَ البخورْفي زوايا البيتِ في سعيٍ يدورْ
- ولنا في كلِّ قدرٍ يمتلي بالماءِ والطينِ دُعاءْآه لو يقضمُ هذا المطرُ الهاطلُ
- سَقْفَ الأغنياءْأينَ نُلقي الماءَ فالماءُ حصارْ
- حولَ بيتً منه قد ضاقَ الجدارْفالتجأنا للسماءْ
- بيدٍ مبتلةٍ بالماءِ والطينِوقد بانَ الضياءْ
- من عيونِ السقفِ وانْزَاحَ العناءْفكأنَّ السقفَ أعمى
- أبْصَرَ الآنَ وكانَ الكبرياءْلبقايا السقفِ في هذا الصباحْ
- وكأن الغيمَ قد فرَّ من الشمسِعلى وعْدِ اللقاءْ
- بغدٍ عْندَ المساءْقد أعادَ الماءُ طينَ الأرضِ للأرضِ
- ولكنَّ البقاءْحَتَّمَ العودةَ أن نحملَ طينَ الأرضِ للسقفِ
- وأنْ يبقى البناءْفي صراعٍ
- كلَّما جاءَ الشتاءْ***
- اللوحة الحادية عشرة...
- تلكَ كانت قِصصُ الجدِ وكانَالموقدُ الشّتويُّ نارْ
- قسوةُ الأرضِ على الأهلِكإعصار البحارْ
- كَمْ تصافحنا مع الدفءِتعانقنا على الجمرِ حصارْ
- كانَ بردُ الخوفِ أقسىمنحَ الدفءَ فرارْ
- ...تلكَ كانتْ قصصُ الجد لأيامِ العذابْ
- كلَّما حدَّقَ فيناأبْرَقتْ عيناهُ وانهارَ واكتئابْ
- يَدهْ .. فصلٌ من الماضيوعيناهُ كتابْ
- نقرأُ الفاتحةَ الأولىونطوي صفحةً أخرى
- من العمرِ المُذابْبينَ ملحِ البحرِ والشمسِ التي
- أمْطَرتْ سُمرتها وجهاً فشابْقَبَل أن يدركَهُ الشيبُ
- وصدرٌ .. يمضغُ التبغَ ويجتَرُ الشبابْ...
- تلكَ كانتْ قصصُ الجدِ وكانتْعلْبةُ التبغِ كنعشٍ للحريقْ
- يدهُ تمتدُّ باستحياء كالعذراءِ لمَّاصادفتْ وجهَ غريبٍ في الطريقْ
- فاستشاطتْ بالخطى راجفةًضاقتْ سماها من سماه
- ليس إلا هو في هذا الطريقْليس إلا هو لو تدنو خُطاه
- كان جدي بارتعاشٍ يسحبُ العلبةَتهتزُ يداه
- فترى الأمسَ بعينيهِ طَليقْغصَّ بالدُخَّانِ من فرطِ أساه
- وعلى عينيهِ يخضَّرُ البريقْمدَّ للماضي ذراعاً احتواه
- كانَ جدي يرصدُ الدُخَّانَكالفاقدِ جاه
- اللوحة الثانية عشرة...
- لَمْ يَزَلْ وصفي لذاكَ اليومِوصفاً قَدَرياً للقدرْ
- لم أزَلْ أعجزُ عن إيجادِ معنىلارتسامِ الأمسِ في كلِّ أحاديثِ السمرْ
- لانقضاضِ الوجهِ في كلِّ التعابيرِوفي كلِ التفاسيرِ أثرْ
- لم أزلْ احتفظُ من جارتنا بعضَ الأحاديثِعن الألفةِ مازالَ صداه
- عشتِ بعد المائة باثنينِ وعشرين تَقزَّمتِوصارَ القبرُ في حجمِ سجاجيد الصلاة
- آه يا جارتَنا الأكبرَ من أيامنا عمراًويا جارتَنا الأصغرَ من أجسامنا حجماً
- ويا سِرَّ الحياةكم تحمَّلتُكِ في الليلِ دَليلاً
- حينما نمشي على ضوء الفوانيسِ بلا أي حذرْوقطعنا خِرقْةَ الليلِ
- وعادَ الرتقُ لليلِ فلمْ يَبق أثرْغير بعضٍ من خُطانا
- عَبَرَتْ قَبْلَ قليلٍحينما الضوءُ عَبَرْ
- وطوينا الدربَ بالضحكِ كَما تُطوىالسجاجيدُ من السطحِ إذا جاءَ الشتاءْ
- ووصلنا بيتَ فطوم وقد كان العزاء (1)فيه من موتِ ابنها أحمد في البحرِ
- وقدْ كان البكاءْفي ازديادٍ مع كلِّ الداخلينْ
- وتقلَّبْتِ على صدرِ النساءْتمسحينْ الدمعَ من عينِ وأخرى تحضنينْ
- وتساءلتُ عن الحزنِ وقد كنتِ معيقبلَ قليلٍ تضحكينْ
- كانَ عمري وقتها تسعَ سنينْقالت الألفةُ بينَ الناسِ فأكْبُرْ
- سترى الألفةَ نبراساً ودينْقد كبرتُ الآنَ
- أيقنتُ الذي ضيعهُ الناسُ من الحبِفأشقاني اليقينْ
- آه ياجارتَنا الأكبرَ من أيامنا عمراًويا جارَتنا الأصغرَ من أجسامنا حجماً
- ويا بحرَ الحنينْآه لو عدتِ لنا الآن
- فماذا تصنعينْ_________
- فطوم: اسم تنادى بن فاطمة (1)
المصدر: tarab. البحر غير موسوم في المصدر.